الرئيسية / آراء ومقالات / العمل التطوعي سلوك إنساني محفوف بالمخاطر

العمل التطوعي سلوك إنساني محفوف بالمخاطر

بقلم: جورج كتاني أمين عام الصليب الأحمر اللبناني
لقد انتخب رئيس جديد للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، خلال اجتماع عالمي هام عقد السنة الماضية 2017 في أنطاليا، تركيا، لمدة أربع سنوات. وسيتولى هذا الشخص قيادة أوسع وأقدم شبكة إنسانية في العالم في زمن يشهد بروز حاجات إنسانية غير مسبوقة وتعقيدا كبيراً في الوضع الإنساني.

وسوف يواجه الرئيس الجديد على الفور مجموعة من القضايا العالمية ذات الأولوية من جملتها آثار تغيّر المناخ على مجتمعات محلية كانت معرضة أصلاً للكوارث، وأزمات طال أمدها في مختلف أنحاء العالم دمرت البنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية وترحال أعداد ضخمة من الأشخاص الفارين من النزاعات والعنف، وضرورة توسيع قاعدة المتطوعين في الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
وسيكون لهذه المسألة الأخيرة موقع الصدارة بين اهتمامات الرئيس الجديدالذي سيضطر بسرعة إلى التركيز على الأخطار المتزايدة التي يواجهها المتطوعون في كل مكان وتغيّر طبيعة التطوع في مختلف أنحاء العالم.
إننا نشهد اتجاها مقلقاً ألا وهو تناقص أعداد الذين يتقدمون للعمل كمتطوعين وكذلك انخراطهم لفترات زمنية أقصر مما كان عليه سابقاً.
وينبغي أن تتنبه البلدان في كل أنحاء العالم إلى ذلك، لأن المتطوعين، ومن بينهم متطوعو الصليب الأحمر والهلال الأحمر، يمثلون شريان الحياة الذي لا بديل له في حالات النزاع والكوارث الطبيعية وتفشي الأمراض. فمن دون هؤلاء المتطوعين، لكان عدد لا يحصى من المجتمعات المحلية تٌرك وحده ليتدبر أموره بلا أي مساعدة. إن الغالبية العظمى لأول المستجيبين الإنسانيين هم من المتطوعين المحليين الذين يعملون في غالب الأحيان باعتبارهم الجهة الفاعلة الإنسانية الرئيسية، بل الوحيدةفي أماكن الأزمات.
ويتمتع هؤلاء الأبطال المحليون بمؤهلات ممتازة للقيام بهذا العمل. فهم يتكلمون اللغة المحلية ويعرفون الثقافة المحلية وهم ملتزمون بمساعدة جيرانهم. وغالباً ما يقومون بأعمال لن يقبل أحد آخر القيام بها، معرضين أنفسهم لمخاطر كبيرة،وتفادي نيران الأسلحة لدى تقديمهم الغذاء والماء والأدوية إلى العائلات في أوج النزاعات المسلحة (كما في اليمن، وسوريا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وغيرها من البلدان).
ويشكل هؤلاء الأفراد الذين يتميزون بالشجاعة ونكران الذات ثروة عظيمة- لم يقدرها المجتمع العالمي حق التقدير- ولكنها ثروة مهددة. ويكمن أحد أسباب هذا التغيّر في طبيعة العمل التطوعي المحفوف بالأخطار،أن عاملو الإغاثة مستهدفين بالعنف السائد أكثر فأكثر.
ويجدر الذكر بأن 11 متطوعاً من الصليب الأحمر والهلال الأحمر قُتلوا في حوادث عنف خلال سنة 2016.وشهدت سنة2017 تصاعداً مقلقاً في هذه الظاهرة، فقد لقي 24 متطوعاً وموظفاً حتى الآن حتفهم في أحداث العنف في أماكن متباعدة منها جمهورية أفريقيا الوسطى،ونيجيريا، والمكسيك، ومالي، وسوريا، بينما أصيبت أعداد أكبر بكثير بجروح أو تعرضت لصدمات نفسية وجسدية. ويبدو أن هذه السنة ستكون الأكثر فتكاً منذ 2011 على الأقل. وإذا عدنا إلى الماضي، سنجد،وفقاً لنتائج قدمتها منظمة مستقلة للأبحاث الإنسانية، أن 80% من عاملي الإغاثة الذين تعرضوا لهجمات منذ سنة 1997 كانوا من المتطوعين المحليين، وقد خسر الصليب الأحمر اللبناني 15 متطوعاً لقوا حتفهم في ظروف مختلفة خلال المسيرة الإنسانية للجمعية.
إذا أردنا أن يستمر المتطوعون المحليون في التقدم للعمل ويواصلون مهامهم الحيوية، فعلينا أن نبذل المزيد من الجهود لضمان سلامتهم. وتقع مسؤولية حمايتهم على عاتق أطراف النزاع وهذا ما ينص عليه القانون الدولي الإنساني بوضوح.
بكل وضوح، نحن بحاجة إلى اعتماد أسلوب أكثر منهجية،بحيث يتضمن بذل جهداً على المستوى العالمي من أجل الحث على فهم سبب ضرورة قيام جميع الأطراف بحماية المتطوعين في العمل الإنساني الذين يلتزمون بالحفاظ على الحياد.
إن خطر التعرض للعنف ليس السبب الوحيد لتراجع الالتزام بالعمل التطوعي الوطني التقليدي. فطبيعة العمل التطوعي نفسه تتغيّر. ففي الماضي، كان الناس يختارون العمل في منظمة ما أو هيئة ما أو جمعية ما ويستمرون في العملمعها لسنوات عدة وحتى لعشرات السنوات. وكان المتطوعون يشكلون القوة المحركة لمواجهة حالات الطوارئ، ويقدمون أنواعاً مختلفة من الخدمات الإنسانية وفق عمل ومهام المنظمة أو الهيئة أو الجمعية فنحن في الصليب الأحمر اللبناني لدينا أشخاصاً مضى على تطوعهم ما يقارب 50 سنة.ولمشاركة المتطوعين أهمية خاصة في الوقت الذي تقلّص فيه الحكومات من برامجها الاجتماعية ولا تستطيع توفير جميع الخدمات اللازمة. ويبدو من بعض التقديرات أن المتطوعين يسّدون نقصاً كبيراً من المال في ميزانيات الخدمات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم.
ولكن هذا النموذج من الاستقرار والولاء قد تغيّر خلال العقد الماضي. وباتالشباب يدافع عن قضايا معينة بدلا من الانضمام إلى منظمات تطوعية. وعلاوة على ذلك، تتيح لهم التكنولوجيا الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي اختيار فرص المشاركة أو حتى خلق هذه الفرص. ويتميز الاتجاه الحالي بوجود فترات أقصر من العمل التطوعي المكثف من خلال التطوع الافتراضي، والمشاركة في الحملات على الانترنت، والتطوع وفقاً للمهارات المطلوبة، والتطوع الجماعي، والعمل التطوعي المنظم ذاتياً.
إن ما ينتظره هذا الجيل الجديدمن المتطوعين هو المزيد من المرونة والتنوع في فرص الانخراط في العمل. وعلى المنظمات التي تعتمد على العمل التطوعي أن تبذل المزيد من الجهود لتلبية هذه التطلعات على أن تضمن عدم تخفيف روح التطوع أو إضعافه كثيراً.

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

ازدهار التطوع: تتضارب المفاهيم وتبقى الأصالة

إبراهيم الدوسري مستشار في القانون الدولي الإنساني يحتار الكثيرون من صناع القرار في المنظات الإنسانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.


برعاية DZSecurity للاستضافة المحمية