الرئيسية / أخبار وتقارير / قراءة في تقرير “إدارة الجثث بعد وقوع الكوارث: دليل ميداني موجه إلى المستجيب الأول”
تقرير إدارة الجثث

قراءة في تقرير “إدارة الجثث بعد وقوع الكوارث: دليل ميداني موجه إلى المستجيب الأول”

إن “التعامل السليم مع أجساد الموتى هو مكون جوهري من مكونات الاستجابة للكوارث لا يقل أهمية عن عمليات الانقاذ ورعاية الناجين وتقديم الخدمات الأساسية لهم“. هذا ما قاله موريس تيدبال بينز، مستشار الطب الشرعي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف ، وأحد مؤلفي كتاب “إدارة الجثث بعد وقوع الكوارث: دليل ميداني موجه إلى المستجيب الأول” وهو يؤكد ما قاله الخبراء من أن إدارة أجساد الموتى تشكل عنصراً رئيسياً في الاستجابة للكوارث، إذ يمكن أن يكون للطريقة التي يتم فيها التعامل مع جثث الموتى أثر عميق وتأثير طويل الأجل على الراحة النفسية للناجين والمجتمعات.

قراءة: أحمد أبوحسان (جدة) ـ راضية صحراوي (الجزائر) 

ولم يغفل الكتاب والمتاح على موقع (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) التعامل مع الموتى بطريقة لائقة أثناء الكوارث إذ اعتبره من المسائل الأساسية لمساعدة العائلات على الكشف عن مصير أقاربها والحداد عليهم وكذلك لمساعدة الأشخاص المكلفين بالتعامل مع الجثث في حالات الطوارىء. كما وفقت فعلاً اللجنة الدولية بإتاحة هذا الدليل الذي يتضمن الخطوط التوجيهية الأساسية الرامية إلى ضمان عدم ضياع المعلومات ومعاملة الموتى بالاحترام اللازم لهم.

 

ويعد هذا الدليل الميداني الأول من نوعه للتدريب خطوة بخطوة على كيفية استرداد جثث الموتى في الكوارث والتعرف على هويتهم مع مراعاة احتياجات الناجين وحقوقهم. وهو أيضاً ثمرة جهد مشترك بين اللجنة الدولية ومنظمة دول أمريكا للصحة ومنظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

ويخاطب هذا الكتاب الميداني رجال الإسعافات الأولية ، والأشخاص الأوائل الذين يهرعون إلى مكان وقوع كارثة عندما يتعذر إحضار الأخصائيين. ويهدف الدليل إلى تفادي الدفن الجماعي وحرق الجثث، مما يحول دون التعرف على هوية الضحايا 

 يقول ” بينز” في أماكن عديدة من العالم، وعندما تقع كارثة غالباً ما يحتاج أول المتواجدين على الساحة لاسترداد جثث الموتى ومعالجتها إلى توجيهات بسيطة وعملية تمكنهم أثناء نشاطهم من مساعدة العائلات على الكشف عن مصير أقاربها المفقودين والحداد عليهم. وإذا طُبقت التوصيات التي يحتويها هذا الدليل على ما يرام فإن هذا سيسهل أكثر عمل أخصائيي الطب الشرعي للمساعدة على تحديد هوية المتوفين.”  كما يبدد الدليل الفكرة الخاطئة الشائعة التي مفادها أن جثث الموتى تشكل خطراً على الصحة عقب الكوارث.

 يقول السيد “أوليفر مورغن”، الباحث الفخري بمعهد لندن لعلم الصحة والطب الاستوائي وأحد المؤلفين الثلاثة للكتاب: ” بعد معظم الكوارث الطبيعية يسود خوف من أن الجثث قد تسبب الأمراض. هذا اعتقاد خاطئ، فمعظم الأجسام المعدية لا تظل حية بعد ثماني وأربعين ساعة في الجسم الميت، والناجون هم الذين يحتمل أكثر أن يتسببوا في تفشي المرض. لكن السلطات غالباً ما تشعر بالضغط السياسي فتعمد إلى إجراءات غير ضرورية مثل الدفن الجماعي على عجل.”  ومن شأن هذه الممارسات أن تضاعف المعاناة النفسية لأسر الضحايا وتؤدي إلى صعوبات قانونية وصعوبات أخرى على المدى الطويل بحيث تحول دون التعرف على هوية الجثث بشكل صحيح.

 وكتبت السيدة “ميرتا روزيس”، مديرة منظمة دول أمريكا للصحة في مقدمة الكتاب : “إن الطريقة التي يعامل بها الضحايا لها أثر شديد وطويل الأمد على الصحة العقلية للناجين والمجتمعات. علاوة على هذا، تكون للتعرف على الهوية أهمية قانونية كبرى من حيث الميراث والتأمين بحيث قد تؤثر على الأسر والأقرباء سنوات عديدة بعد الكارثة.”  وحيثما لا يوجد خبراء تتولى معالجة الموتى عادة منظمات محلية وأفراد المجتمع لاسيما في مرحلة الطوارئ من مواجهة الكارثة. ولدعم هذه المنظمات وهؤلاء الأفراد تضمن الدليل توصيات سهلة وعملية حول كيفية الاضطلاع بالمهام الرئيسية.

 ويعطي الدليل أيضاً ، معلومات وتوجيهات عملية عن المخاطر الصحية الفعلية التي تشكلها الجثث وكيفية استردادها وحفظها وأساليب تحديد الهوية والحفظ الطويل المدى والتخلص من الجثث والمعلومات العامة ودور وسائل الإعلام ودعم أسر وأقارب الموتى. ومن النقاط الرئيسية التي ركز عليها الدليل ما يلي:

  • ـ للناس من كل الديانات والثقافات لهم رغبة غامرة في معرفة مصير أحبائهم وتحديد هويتهم والحداد عليهم. لذلك فإن معالجة جثث الموتى بعناية ووفق معايير أخلاقية هو عنصر حاسم في مواجهة الكوارث.
  • ـ تشكل جثث الموتى خطراً تافهاً على الصحة العامة لأن معظم الضحايا يموتون بسبب الإصابة أو الغرق أو الحرائق. والعاملون في الإسعاف الأولي الذين يتداولون جثث الموتى يتعين عليهم ارتداء القفازات واحترام شروط الصحة الأساسية. ارتداء أقنعة الوجه ليس ضرورياً للوقاية من العدوى لكنه قد يساعدهم على الشعور بالطمأنينة. والجثث لا تشكل أي خطر يسبب في تفشي الأمراض.
  • ـ يفضل تحديد هوية الضحايا بأسرع وقت. فالعمل المبكر الذي ينجزه غير المتخصصين له أثر كبير على نجاح عمل أخصائيي الطب الشرعي عندما يصلون إلى مكان وقوع الحادث. إذ يتعين على العاملين في الإسعافات الأولية جمع المعلومات الأساسية حول الموتى وأخذ الصور الفوتوغرافية قبل حفظ الجثث لأغراض تحديد الهوية لاحقاً. وتتمثل أبسط أشكال تحديد الهوية في تحديدها بالعين المجردة أو بالصور الفوتوغرافية للمتوفين لتوِّهم.
  • ـ يتعين حفظ الجثث تحت درجات حرارية دنيا، إما في أجهزة للتبريد وإما بدفنها مؤقتا في قبور منظمة. وفي المناخات الحارة تتحلل الجثث بسرعة مما يجعل من الصعب التعرف على الوجه بالعين المجردة بعد فترة تتراوح بين 12 و48 ساعة.
  • ـ المعلومات الدقيقة والمحصلة في حينها والمكمَّلة تساعد على تخفيف شدة الضغط على الناجين وتبديد الشائعات والأفكار الخاطئة. أما وسائل الإعلام فهي قنوات مهمة للاتصال وبالتالي ينبغي مشاركتها استباقيا لتنوير الجمهور.

هذا ويحتوي الكتاب الذي يتم تنزيله مجاناً من موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على ملاحق عملية، بما فيها استمارة تحديد هوية جثة المتوفين واستمارة الأشخاص المفقودين، ورسم بياني بأرقام تسلسلية مرجعية وحيدة للدلالة على الجثث.

 ترامي جثث الحروب و الصراعات المسلحة
بشكل عام لا تزال الحروب والصراعات المسلحة في العالم عموما و في الوطن العربي خصوصا  تعصف بالعديد من الضحايا فمنهم من أصبح في عداد المفقودين و منهم من  قضى نحبه فأصبح جثة هامدة يجهل هويتها نظرا لعدم وجود بيانات ومعطيات تحدد معالمها ، ومن هنا تثار العديد من القضايا حول الجثث المترامية  أثناء  حدوث القصف الجوي مثلا ، فمحاولات  تحديد هوية القتلى في القانون الدولي الإنساني معضلة صعبة الحل ففي العديد من الأحيان يدفن الكثيرمن الهالكين في مقابر جماعية كما حدث في الكثير من حروب  القرون الماضية في الحرب العالمية الأولى و الثانية والتي كان تحديد رفات البشرية أخر الاهتمامات تلك الشعوب المتناحرة ، فالنجاة بالنفس والبحث عن سبل للعيش والاستقرار كان همهم الشاغل آنذاك، ناهيك عن غياب الطرق العلمية لتحديد هوية أصحاب الجثث خاصة بعد تعفنها الأمر الذي حال دون حفظ  الكرامة الإنسانية .

 وقد وجدت مسالة دفن الرفات البشرية في التسعينات الميلادية تجاوباً من قبل المجتمع الدولي الإنساني من خلال  ضمان التعامل مع الجثث بكرامة وإظهار الاحترام للعائلات التي فجعت بفقد أحد أفرادها كما يحدث في العديد من الدول العربية،  وهنا المعضلة تتزايد تفاقما كوننا امام اختلافات في العقيدة و الدين والتعدد المذهبي وهو ما يثير جدلا كبيرا في تحديد هوية القتيل الشرعية.

 إدارة الجثث في القانون الدولي الإنساني
تعد  معضلة  الجثث في الحروب و الكوارث واحدة من اخطر المسائل التي أرهقت الكثير من المنظمات الإنسانية لما لها  من قداسة  في حفظ  كرامة الإنسان ميتا اكثر منه حيا، تبعا لما جاءت به الشريعة الإسلامية وقواعد القانون الدولي الإنساني فقد أقرت الاتفاقيات جنيف الأربعة  1949  على ضرورة قيام الأطراف المتحاربة :”كفالة الكرامة للموتى والحيلولة دون نهب الجثث وتدنيسها, وفعل كل ما في وسعها للبحث عن الموتى وجمع جثثهم وتوثيقها وتحديد هوية أصحابها حيثما أمكن”.

 وبالتالي فإن أهمية الكشف عن هوية الموتى بالنسبة لعائلات الضحايا أمر مقدس يخفف حرقة الفراق ويحفظ الكرامة الإنسانية، فمن  هذا الباب الذي يتيح  فرصة كل طرف أن يسحب قتلاه,  فمنع أيهما سحب جثثهما تعد جريمة قانونية وأخلاقية يعاقب عليها إلا انه لاتزال في بعض الدول العربية ممن هبت عليها رياح الحروب والدمار ينتهك هذا الحق من قبل البعض ،وتترك الجثث تتعفن و تتحلل دون دفنها. حيث أنه في العديد من المناطق المسلحة لا يتم  سحب القتلى الذين يسقطون في النزاعات , بل يترك لأطراف أخرى تقوم بمهمة الدفن , فيما تغيب تماماً عناصر التعرف على الجثث والعودة بها الى أهلها. ومن ثم دفن رفات مجهول يبقى عند ذويه مفقودا.

 التعرف على الرفات البشرية مشكلة تستوجب الحل
مع التراكم الكبير للجثث ومحدودية الإمكانيات من الطواقم الطبية والمتطوعين الذين لا يعرفون شيء في مجال إدارة الجثث ، كونهم لم يخضعوا لأي  تدريب ،  تضطر الكثير من الفرق التابعة للمنظمات الإغاثية المتواجدة في المناطق النزاعات المسلحة من تعامل مع رفات البشرية بطريقة غير سليمة و غير صحية تهدد سلامة الكثير من المتطوعين، حيث يتم جمع أكثر من 20 جثة في المشارح لنقلها ودفنها، إلا أن الأمر يفتح باب التساؤل حول تحديد هوية القتلى في ما يخص  الدين والجنسية ، نظرا لغياب أي وثائق تحدد هويتهم أو علامات تظهر عقيدتيهم و انتماءهم الديني كون أن طقوس دفن المسلم  تختلف عن من يعتنق دينا أخر.

 أساليب تقليدية
وقد اهتدت بعض الجمعيات الوطنية للهلال و الصليب الأحمر في البلدان العربية  في ظل انعدام الإمكانيات والتكنولوجيا الحديثة في التعامل مع الجثث الى أساليب تقليدية،  في غياب وثائق تحدد هوية القتلى، حيث تقوم عائلاتهم أو جيرانهم الذين كانوا متواجدين أثناء الهجمات المسلحة و الغارات الجوية من تقديم تفاصيل عن علامات أو ملامح مميزة يمكن أن تساعد في تحديد الهوية كالوشم، والملابس والحلي التي قد تساهم هي الأخرى في تحديد ديانة صاحبها وأكثر من ذلك قد يكون “ختان الذكور” هو المؤشر الوحيد على أن الرجل قد يكون مسلما. ومن هنا يتم التعامل مع الجثث جميعا باحترام، وتدفن وفق التقاليد الإسلامية.

 ولكن وحسب المختصين لم تعد هذه الطرق تجدي نفعا عندما يتم العثور على رفات متعفنة الى حد التحلل ما أدى الى اعتماد الطب الشرعي وهو من بين أهم السبل للكشف عن هوية القتلى نظرا للتقنية العالية المعتمدة في ذلك، حيث يتم  أخذ عينات من الحمض النووي للجثة ومطابقتها بدم أقاربها ، إلا أن الكثير من المشاكل تعرقل تحدد هوية المفقودين، فالكثير من اختبارات الحمض النووي التي يتم سحبها من قبل طواقم طبية التابعة لجمعيات الوطنية للهلال و الصليب المتواجدة بالمناطق النزاع ليست مؤهلة وتنقصها الإمكانيات اللازمة لذلك في ظل انعدام أدنى التكوين في المجال. ولذا فالعديد من الجمعيات المذكورة  ترسل عيناتها الى دولاً أكثر تطورا في المجال الطبي، فيما ينتظرون لأيام للحصول على النتائج ، مما يؤدي الى تأخير دفن رفات خاصة إن كان القتيل مسلما الذي يستوجب دفنه من باب إكرام الميت و هذا ما جاءت به شريعتة الإسلامية.

 قدسية الروح البشرية تنتظر الحل ..
نظرا لقدسية الروح البشرية التي كرمها الله تعالى ، وسنت لها قواعد و تشريعات سماوية جعلت  لها حقيقة يسمو فيها عن كل شيء في الأرض ذكرا كان أو أنثى. ونظرا لما يواجهه العالم خاصة الدول العربية من دمار و خراب  لفظا ضحايا وقتلى يجهل انتماءهم، دينهم، جنسيتهم  مما قد يجر بهم الى  مقابر غير معلومة تهدر كرامتهم و تخدش حياء معتقداتهم مما يستوجب منا التفكير جليا  في :

  • ـ استحداث مركز عربي إغاثي يعنى بإدارة الجثث في الصراعات المسلحة بما يتوافق والشريعة الإسلامية، والديانات الأخرى من باب احترام الأديان السماوية وكل الثقافات.
  • ـ إخضاع العديد من المتطوعين الى دوارات تكوينية في كيفية التعامل مع الجثة في أوقات الحرب وفي كيفية نقلها ورعايتها وحفظ كرامة الميت ، حيث يتم إعطاء الاهتمام الكامل للجثة الى أن يتم القيام بالطقوس الدينية لكل جثة ومن ثم دفنها بشكل سليم .
  • ـ ضرورة تعميم فكرة إنشاء مركز عربي إغاثي على كل الجمعيات الوطنية للهلال والصليب الأحمر وكل المنظمات التي تعنى بالشأن الإنساني عن طريق خلق فروع له.
  • ـ دعم الجمعيات الوطنية المتواجدة بالمناطق المسلحة بكل المستلزمات الطبية و خلق خلايا لتتبع إدارة الجثث بها و تسيير نقلها  للحد من انتشار الأمراض التي قد تعرض حياة المتطوعين  الى الخطر.
  • ـ وضع قاعدة بيانات معلوماتية حول عمليات رفع الرفات البشرية وذلك على مستوى كل جمعية اغاثية ، وتحوي قاعدة البيانات مكان انتشال الجثث صفتها جنسها مرفقاتها من اوراق رسمية و غيرها لحديد الهوية العملية تدعم برنامج البحث عن المفقودين .
تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

الهلال الأحمر الأردني يعقد ورشة حول منع الاحتيال والفساد

الهلال الأحمر الأردني نظم #الهلال_الأحمر_الأردني بالتعاون مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الثلاثاء ورشة عمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.


برعاية DZSecurity للاستضافة المحمية