الرئيسية / آراء ومقالات / النزاع والمرض : الحلقة المفرغة

النزاع والمرض : الحلقة المفرغة

في أوقات النزاع المسلح، يؤدي فرار السكان المدنيين غالبًا إلى انتشار الأمراض المعدية. إذ إنه من شأن هذه الرحلة القسرية أن تنقل مرضًا ما من منطقة إلى أخرى، حتى عبر الحدود الدولية. وحتى لو تمكن السكان من البقاء في أماكنهم، فهم عرضة لتفشي أمراض بسبب المياه الملوثة أو تدمير مؤسسات الرعاية الصحية.

هناك ملمح أساسي للعلاقة بين الوباء والنزاع، وهو أنه وفي كثير من النزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى، فإن عدد الضحايا الذين يلقون حتفهم جراء المرض وسوء التغذية اللذين يسببهما النزاع، يُعدُّ أكبر من عدد الضحايا المباشرين للأعمال القتالية. ويؤدي اضطراب المجتمع، سواء بفعل النزاعات المسلحة أو أعمال العنف واسعة النطاق أو الكوارث الطبيعية، إلى تعرض المواطنين لأخطار جسيمة من شأنها تقويض الصحة العامة.

فمن ناحية أولى، هناك العبء الواقع على النظام الطبي بسبب الإصابات الجسدية المباشرة الناجمة عن النزاع المسلح والحاجة الماسة إلى فرق مدربة من جراحي الحروب والطوارئ. ومن ناحية ثانية، فهناك آثار جسيمة للاضطرابات الاجتماعية من شأنها تهديد الصحة العامة كانتشار الأوبئة أو العجز عن تقديم العلاج لأمراض بعينها.

وفي عالمنا المعاصر، يعيش نحو مليار نسمة في دول لا تتمتع مجتمعاتها بقدر معقول من الاستقرار السياسي، فهي إما دول تكافح من أجل أن تتعافى من آثار نزاع مسلح أو أعمال عنف واسعة النطاق، أو دول في القلب من هذه الأعمال، أو دول معرضة للانزلاق إلى صراع أو فوضى. تضم قائمة هذه الدول، مجتمعات تضم ثلث سكان العالم الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، وثلث المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، وثلث مجموع وفيات الأمومة، أو وفيات لها علاقة بالحمل والولادة. وفي هذه المجتمعات يعاني واحد من كل ثلاثة أشخاص من نقص التغذية.

ويقول خبراء إن نزوح السكان المدنيين من مناطق سكنهم نتيجة للنزاع المسلح أو أعمال العنف أو الكوارث الطبيعية يؤدي غالبًا إلى انتشار الأمراض المعدية. ويُعد تشريد أعداد كبيرة من السكان المدنيين واحدًا من المظاهر شديدة الخطورة للنزاعات المسلحة وأعمال العنف الأخرى، إذ إنه من شأن هذه الرحلة القسرية أن تنقل مرضًا ما من منطقة إلى أخرى، حتى عبر الحدود الدولية. وهناك عشرات الأمثلة على استفحال أوبئة بفعل عمليات النزوح واسعة النطاق.

فمثلًا، جرى القضاء على الملاريا (وهو مرض ينتقل بين البشر من خلال لدغات بعوض الأنوفيلة الحامل لها) في طاجيكستان في أوائل ستينيات القرن العشرين، وخلال السنوات التالية لم ترصد السلطات الصحية في البلد الآسيوي سوى 200-300 حالة إصابة بهذا المرض سنويًّا. لكن وبفعل الإضراب الكبير الذي شهدته البلاد واندلاع النزاع الأهلي بين عامي 1992 و1993، فر نحو 100 ألف شخص إلى أفغانستان.

وفي ظروف التشرد القاسية مع نقص المياه النظيفة وضعف مستويات الرعاية الصحية، تفشى وباء الملاريا بين هؤلاء اللاجئين. وفي دارفور، تفشى فيروس التهاب الكبد E (وهو فيروس يدخل جسم الإنسان عن طريق الأمعاء من خلال شرب المياه الملوَّثة بالأساس) في العام 2003 بفعل الارتفاع المطَّرد للنازحين في مخيمات لا تصلها مياه شرب نقية في ظل جفاف قاسٍ، علاوة على انهيار المرافق الصحية. وخلال أشهر، انتقل المرض إلى شرق تشاد المجاورة بسبب حركة اللاجئين الفارين من النزاع. 

يقدم نموذج النزاع المسلح في طاجيكستان ودارفور وغيرهما، مثالًا على المآل الذي قد ينتهي إليه الفارون من أعمال العنف. فهؤلاء، نازحين داخل حدود البلد أو لاجئين خارجه، يجاهدون بحثًا عن ملاذ آمن، لكن قد تنتهي بهم الرحلة إلى الوقوع فريسة ظروف أكثر قسوة. فهم يحاولون إيجاد أماكن حماية مؤقتة، كالملاجئ البدائية أو المخيمات، وهي أماكن تفتقد في غالب الأمر الحد الأدنى من الحياة.

وعليه يصبح السكان المدنيون أمام ثلاثة تحديات؛ هي الاكتظاظ ونقص المياه النظيفة وسوء التغذية. ولهذه التحديات آثارها العنيفة على الوضع الصحي للسكان المدنيين، إذ تجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية مثل الإسهال والسل والملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية. وهذه أوبئة تقتل وتنخر أجساد الملايين من أفقر الناس وأكثرهم ضعفًا كل عام.

ومن ناحية أخرى، قد يظهر الوباء بين السكان المدنيين في أماكن معيشتهم بفعل عمليات التدمير المتواصل للبنية التحتية. فمثلًا يعيش اليمن في ظل العواقب الكارثية للنزاع المسلح الذي دمر الكثير من بنيته التحتية الحيوية ودفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار. وأدى انقطاع إمدادات المياه النظيفة في عدد من المدن اليمنية إلى وضع قرابة مليون شخص تحت تهديد خطر تفشي مرض الكوليرا وغيره من الأمراض المنقولة عن طريق المياه.

دائرة مفرغة

ولا  تقف المعاناة عند هذا الحد، فالنزاع والمرض يبدوان وكأنهما يدوران معًا في حلقة مفرغة. فمناعة النظم الصحية تضعف ضعفًا واضحًا بفعل عوامل: كالتدمير العمدي وغير العمدي للمرافق الصحية. فأعمال العنف تعطِّل تسليم الرعاية الصحية للمحتاجين. وهناك العديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها خلال فترات النزاع المسلح، لكن العجز عن الوصول إلى مراكز الرعاية الصحية قد يفاقم حالة المريض ما يؤدي إلى الوفاة أحيانًا.

وفي بعض الحالات تبقى مجتمعات بأكملها بلا قدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية وتنهار المنظومة الصحية. ففي سورية، وخلال سبع سنوات من النزاع الدامي، تعرض نظام الرعاية الصحية في البلاد لهجمات متتالية أدت إما إلى إغلاق نصف المستشفيات العامة بالبلد ومراكز الرعاية الصحية العامة، أو جعلتها تعمل بأقل من طاقتها.

وتقول تقديرات منظمة الصحة العالمية إن هناك أكثر من 11 مليونًا يحتاجون إلى مساعدة صحية، بينهم ثلاثة ملايين مصاب بجروح وإعاقات خطيرة. وفي ليبيا، خلفت سنوات القتال في البلاد 1,3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 200 ألف نازح، هذا في ظل خروج خُمس المؤسسات الصحية في البلاد من الخدمة.

ويُعدُّ فرار الأطباء وأطقم التمريض بسبب أعمال القتال مظهرًا لعلاقة الحرب بالمرض. وفي كثير من النزاعات المسلحة، رأينا السكان المدنيين وهم يئنون بفعل المرض من دون وجود أيادٍ مدربة تخفف عنهم الألم. فبحلول نهاية الحرب الأهلية في ليبيريا في أوائل التسعينيات، على سبيل المثال، كان هناك أقل من 15 طبيبًا يعملون في الميدان. وفي النزاع الدامي الذي تدور رحاه في جنوب السودان، حيث نزح حوالي 1.5 مليون شخص من بيوتهم منذ بدء النزاع، يوجد طبيب واحد لكل 65 ألفًا من السكان المدنيين، حسبما تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وحتى في المناطق التي لا تزال الخدمات الصحية فاعلة، يخشى الناس من المخاطرة بحياتهم والذهاب إلى المشافي. وبالتالي، فضمان توصيل الرعاية الصحية بصورة آمنة للمحتاجين أمر مهم للغاية بالنسبة لكل من الضحايا المباشرين للعنف والمستضعفين المعرَّضين لآثاره على المدى الطويل.

وتشمل العقبات التي يفرضها النزاع على الوضع الصحي ضعف أدوات الإنقاذ المبكر، وتعطيل برامج مكافحة الأمراض، وغياب أساليب الرقابة والسيطرة على الأوبئة، علاوة على نفاد الإمدادات كالأدوية والتطعيمات أو زيادة الضغوط بصورة مفرطة على الأجهزة الطبية.

ففي اليمن، نجد القطاع الصحي مثقلًا بأعباء النزاع، وأدى الوضع الكارثي للمدنيين إلى عودة ظهور أمراض معدية كالدفتيريا (وهي عدوى تسببها بكتيريا الخُنَّاق الوتدية، وأعراضها التهاب في الحلق وحمى، قد تتطور إلى سد مجرى الهواء ما ينتج عنها سُعال مؤلم). وفي الظروف العادية، يتحقق الشفاء من هذا المرض بشكل يسير.

وفي السنوات الأخيرة، وجهت اللجنة الدولية، ومنظمات إغاثية أخرى، اهتمامًا بـ«المعاناة الخفية» أو الصحة النفسية للسكان المدنيين الذي اختبروا تجربة النزاع المسلح أو أعمال العنف الأخرى. تنجم هذه «المعاناة الخفية» عن تعرض المدنيين لتجارب فردية وجماعية مؤلمة، كالتعرض للعنف الجسدي أو المعنوي، أو التشريد القسري، وحالة عدم اليقين، والعزلة. 

وليس من المستغرب أن تبين المسوحات مستويات عالية جدًّا من اعتلال الصحة النفسية في البلدان التي تخوض نزاعًا مسلحًا أو تلك التي خرجت من أتون النزاع المسلح. فالنزاعات المسلَّحة والكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الأخرى، بما فيها تلك المترتِّبة على الهجرة، لها عواقب وخيمة على الصحة العقلية والوضع النفسي – والاجتماعي للشعوب المتضرِّرة. ومع أن برامج الصحة النفسية والدعم النفس-اجتماعي صُممت لتساعد أي متضرر من العنف، إلا أن بعض الضحايا يحظون بتركيز أكبر في العلاج والدعم كالناجيات من العنف الجنسي.

المصدر: الإنساني

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

العمل التطوعي سلوك إنساني محفوف بالمخاطر

بقلم: جورج كتاني أمين عام الصليب الأحمر اللبناني لقد انتخب رئيس جديد للاتحاد الدولي لجمعيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


برعاية DZSecurity للاستضافة المحمية