الرئيسية / آراء ومقالات / التطوع.. بين ضرورة العمل التطوعي وغياب ثقافته (*)
في الأسواق: الطبعة الجديدة لكتاب العمل التطوعي للدكتور صالح بن حمد التويجري

التطوع.. بين ضرورة العمل التطوعي وغياب ثقافته (*)

بقلم: الدكتور صالح بن حمد التويجري

التطوع واجب ديني ومظهر حضاري، وهو الترجمة السلوكية لمعاني المروءة والشهامة والإيثار، والممارسة الفعلية لأعمال الخير، كما أنه وسيلة من وسائل بناء الفرد والمجتمع، وعندما يمد إنسانٌ يداً حانية إلى أخيه الإنسان، أو أن تفيض مشاعره جياشة تجاه آلام الآخرين، فيمسح بيد الرحمة الدموع من مآقيهن أو أن يخرج من ماله للذين يتضورون جوعاً أو لا يجدون ملبساً أو مسكناً يؤويهم فهو لا يرجو من ذلك عائداً مادياً ولا نفعاً تجارياً، تلك المشاركة الوجدانية الراقية التي تسمو فوق المنافع الدنيوية، هي سمة إنسانية عامة، ومشترك بشري لا يخلو منه مجتمع مها كان دينه الذي يدين به أو لونه أو عرقه، ربما يزيد التفاعل عند البعض فيُشكِّل سلوكاً دائماً يُحرك حوافزه الداخلية، هؤلاء للبذل والعطاء ومشاركة الآخرين في كل وقت وكل حين، وربما تقل مظاهره عند بعض الناس فلا يظهر إلا حينما تهز مشاعر أولئك خطوبٌ هائلة وأحداثٌ جِسام، كالحروب والكوارث الطبيعية فيحيق بهم الدمار والخراب، ما يدعوهم إلى أن يهبوا للنجدة ومد يد العون للآخرين.

ونحن عندما نتحدث عن العمل الخيري، فإننا نجد أن هذا القطاع يتسع اتساع كلمة «الخير» نفسها التي لا يمكن أن نتمثَّلها أبداً في حيز محدود، فاتساعها يُمثّل تزكية النفس في كل عمل يمتد أثره من الوقوف عند تلبية حاجات الذات إلى تلبية حاجات المجتمع الكبير، جيراناً أكانوا أم مواطنين أو بشراً يجمعهم العالم الكبير، أو حتى بالإحسان إلى مخلوقات الله الأخرى من حيوان ونبات وبيئة، وهنا لا بد أن نقف أمام وسيلة من وسائل العمل الخيري، بل لازمة من لوازمه وقرين لا ينفك عنه ولا ينفصل منه، وهو العمل التطوعي الذي يتمثَّل في جهود إنسانية يبذلها أفراد أو جماعات أو مؤسسات تسهم في تلبية احتياجات اجتماعية أو قضايا تهم المجتمع، ولا تكون دوافع المتطوع من هذا الفعل مادية أو ربحية، فالتطوع سواء كان مادياً أو بجزء من وقت المتطوع أو بدنياً أو فكرياً عن طريق نقل الخبرات أو التدريب وغيرهما، يعزز شعور المتطوع بالانتماء إلى المجتمع وتفاعله معه، كما يبعث الثقة بين أفراد المجتمع في المستقبل فلا يبدو أمامهم مخيفاً وقاتماً، بفعل التكافل بين أفراده وإشراك المجتمع برمته في مجابهة التحديات الإنمائية وتحقيق الرفاهية للجميع، ويتجلى مثل ذلك في أوضح صوره وأجملها في مسارعة الناس لمساعدة جمعيات المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء والمعوزين، ويتحوَّل هذا الإحساس العميق والمشاعر المتدفقة عند هؤلاء إلى أن يصبحا أعينهم التي يبصرون بها وأقدامهم التي يمشون بها والدواء الذي يشفيهم بفضل الله.

في السنوات القليلة الماضية زاد انتشار النشاط التطوعي بشكل لافت، وأضحت أدبياته تأخذ طريقها بثبات لتصبح علوماً تُدرَّس في الجامعات والكليات والدورات التدريبية التي تنظمها مؤسسات عالمية وإقليمية ومحلية، ولم يأت هذا من فراغ بل نتج – بدءاً – من تطور المجتمعات البشرية وهيمنة مفهوم المجتمع المدني وتأثيره الكبير على الحياة والاقتصاد، وبسبب ما بات يُعرف بالقرية الكونية أو العولمة، وبسبب تداعيات الكوارث الإنسانية من حروب مدمرة وفيضانات جارفة وعواصف مدمرة وجفاف في بعض المناطق أهلكَ الزرع والضرع، هذا قابله رد فعل إنساني بتكوين كثير من الكيانات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم، لمقابلة تلك الخسائر البشرية المادية ومساعدة المحتاجين والمنكوبين، كما زاد الاهتمام في القطاع الخاص بمبادرات المسؤولية الاجتماعية من واقع التنافس الحاد بين الشركات لتحسين الصورة الذهنية لهذه الشركات في المجتمع وزيادة الربحية، فضلاً عن الدوافع الخيرية في النفوس البشرية التي تُحرِّك مثل هذه النشاطات، وليس في ذلك أي غرابة إذ إنه بفعل تطور المجتمع المدني وزيادة قوته وأثره، صار يُنظر بشكل أكبر إلى المجتمع المدني بوصفه مشاركاً في ربحية القطاع الخاص، ويجب أن ينال نصيبه منها.

لقد مثَّل تبني الأمم المتحدة لـ»برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين» وهو: منظمة أممية تُسهم في تحقيق السلام والتنمية من خلال العمل التطوعي في جميع أنحاء العالم، في نقلة نوعية هائلة أدّت إلى عمل مؤسسي استفادت منه جميع دول العالم، وأسهم بصورة كبيرة في ترسيخ قواعد وأسس علمية للعمل التطوعي بفضل استقطاب أفضل الخبرات والكفاءات العالمية في المجال، وتم الإقرار بالتطوع كعامل مهم في التنمية عام 2001 باشتراك 126 دولة من أعضاء الأمم المتحدة في نهاية السنة الدولية للمتطوعين ما مهَّدَ لتوصيات سياسية عديدة للحكومات، ولهيئات الأمم المتحدة وللمنظمات غير الحكومية بشأن الطرق الكفيلة بالنهوض بالتطوع ودعمه.

لقد جاء في تقرير الأمم المتحدة 2011 عن حالة التطوع في العالم: إن التطوع هو تعبير أساس للعلاقات الإنسانية، فهو يتعلق بحاجة الناس للمشاركة في مجتمعاتهم، ولأن يشعروا بأنهم مهمون بالنسبة للآخرين، نحن نعتقد بقوة بأن العلاقات الاجتماعية المتأصلة في العمل التطوعي هو أمر بالغ الأهمية لرفاهية الأفراد والمجتمعات المحلية، إن روح التطوع متشرِّبة بقيم عديدة بما فيها التضامن والتقدير والثقة المتبادلة، وحسن الانتماء والتمكين، وجميعها تساهم مساهمة كبيرة في نوعية الحياة، وبيَّن التقرير الكيفية التي أصبح فيها التطوع وسيلة يتمكَّن من خلالها الناس من السيطرة على حياتهم وتحقيق تغيير لأنفسهم والناس الذين حولهم.. وقد جاء قرار الأمم المتحدة إلى أن عدم إدراج التطوع في رسم الخطط الوطنية قد يؤدي إلى تجاهل مورد قيم وتقويض تقاليد التعاون التي تُؤلف بين المجتمعات المحلية وتعمِّق انتماءها الوطني.

لم تعد الحكومات وحدها قادرة بتلبية حاجات الناس الاجتماعية التي تعقَّدت في ظل التطورات المتسارعة للعصر الحديث، وتشابكت مع قضايا عديدة اجتماعية واقتصادية، وحتى خارجية ولم يعد تأثيرها أو ما يُؤثر فيها يقتصر الخدمات التي تقدمها الحكومات، وكان لا بد والحال كذلك من وجود قطاعات موازية تكمل الدور الحكومي في تلبية الاحتياجات المجتمعية، ولقد أثبتت هذه القطاعات في كثير من الأحيان أنها السبَّاقة والمُبادِرة في سد الفجوات التي تعتري تلبية حاجات المجتمع، ولقد أحدثت التغييرات التي تسارعت وتيرتها بفعل العديد من العوامل، التي سلف ذكرها، تغييراً في احتياجات الناس الاجتماعية ما أحدث بدوره تطورات في غايات العمل التطوعي وأهدافه، فتحوَّل الهدف للنشاط التطوعي من تقديم الرعاية والخدمة للمجتمع ومختلف شرائحه المستهدفة إلى إحداث تغيير إيجابي في مكونات هذا المجتمع ودعم التنمية المجتمعية المستدامة فيه. لقد بات العمل التطوعي والتفاعل المجتمعي يُمثِّل سلوكاً حضارياً رفيعاً يدل على مدى رقي المجتمع ومدى تمتع أفراده بقيم التكافل والتعاون ومقدرتهم على العطاء والبذل، كما أصبح أثره الإيجابي واضحاً في حياة الفرد والجماعة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

ولما كان العمل التطوعي عملاً اجتماعياً شاملاً لا يعزل فئة ولا يستثني أحداً وتُحرِّك دوافعه الخيّرة في النفوس الكبيرة لأن تتحسس آلام الآخرين وحاجاتهم فتتطوع بجهدها ومالها ووقتها من أجل مساعدتهم، لا ترجو من وراء ذلك فائدة ربحية مادية، فإن نجاحه يعتمد على الموارد البشرية التي تحركها النزعة التطوعية والاختيار الحر، وأن يتسع ميدانه للجميع من غير تمييز من مبدأ العدل والمساواة، بل يستهدف الإنسان وتنمية مقدراته ورفاهية حياته.

إنما يدعو المرؤ إلى التساؤل والتعجب بشكل كبير ما يلمسه في الدول العربية والإسلامية من غياب نسبي لثقافة التطوع بين أفراد المجتمع بالمقارنة مع دول العالم الأخرى، ويأتي مثار هذا التعجب والاستغراب من أن تلك الدول ترتكز في غالب الأمر على دوافع إنسانية فحسب، وهي تمارس العمل التطوعي والخيري عموماً، بينما الذي يدفعنا إلى فعل الخير في بلادنا الإسلامية، بالإضافة إلى دوافعنا الإسامية قيمنا الإسلامية وإرث حضاري يحفل بتمجيد هذه القيم وأصحابها، وقبل أن نستطرد في أسباب هذا الغياب لثقافة الطوع في الدول العربية والإسلامية، مع ما تحفل به التعاليم الدينية الإسلامية من حض على التطوع وفعل الخير، يجدر بنا أن نشير إلى ما ميز به علماء الاجتماع بين شكلين من أشكال العمل التطوعي، وهما السلوك التطوعي الذي يأتي استجابة لظروف طارئة أو لمواقف أخلاقية أو إنسانية من قبيل إسعاف جريح أو إنقاذ غريق وبين الفعل التطوعي ويعني الممارسات التطوعية التي تنبع من الإيمان بأهمية العمل التطوعي، ولا ريب أن اللوك التطوعي لدى المسلم يأتي امتداداً لموروث عميق من الثقافة الإسلامية والأخلاقيات المجتمعية المتوارثة والتي تجذّرت في نفوس المسلمين والعرب، بحيث أن الفرد يمكن أن يبذل نفسه لإنقاذ نفس بشرية، فكلمة «المروءة» التي تشكل مجامع الأخلاق عند المسلم وعند العربي أضحت مقياس نفع المرء ومكانته من خلال هذا النفع في المجتمع. ولكن الخلل يأتي في ممارسة العمل التطوعي بوصفه جهداً منظماً يقوم به الفرد والمجتمع بهدف تحقيق أعمال مشروع دون فرض أو إلزام سواء بذلاً مادياً أ, عينياً أو بدنياً أو فكرياً ودافع ذلك ابتغاء مرضاة الله، إذ بهذا المفهوم، يحتاج هذا (الجهد المنظم) ليصل إلى جعل هذه القنوات من العمل تصب في صالح الأهداف الإنسانية التي قصد العمل من أجل تحقيقها، ولكن هذا الجهد المنظم لا يتأتى من خلال الفردية أو العشوائية، بل من خلال فكر إداري يعتمد المؤسسية، وهي في الأدبيات الإدارية أن تسير منهجية العمل وفقاً لوضع الاستراتيجيات والسياسات والخطط المدروسة وتمضي من خلال فريق متجانس للعمل يقوم بتنفيذ هذه الاستراتيجيات وفق دراية مفصلة بالبيئة وملابساتها وبظروف المراحل التي يتم فيها التنفيذ، وهذا الفهم للعمل الإداري المنظم هو الذي قاد القطاع الثالث في أمريكا والغرب وبعض دول آسيا، وحتى في إسرائيل إلى أن يصبح قطاعاً نافذاً يساهم بنصيبه الكير مع القطاعات الأخرى في النمو المجتمعي ودعم الاقتصاد في تلك البلدان، ومع أن العمل الإنساني لا يقتصر على أمة دون أمة ولا على ديانة دون أخرى أو على عرق دون عرق، ولكننا كمسلمين نتميز بأن التطوع في شريعتنا يصل إلى مرحلة الوادب في فروض الكفايات الذي لا يسقط عن المجتمع الإسلامي برمته إلا أن يقوم به البعض، وإلا أثم على تركه الجميع.

التطوع في الإسلام هو منهج رباني، ووسيلة من وسائل تزكية الأعمال والأموال، قال تعالى: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة (158) وقال سبحانه وتعالى: فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهَُ سورة البقرة (184)، وحث الإسلام من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية ومن خلال ما حفظه سِفرٌ طويل من مآثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم،والتبايعن لهم بإحسان، على التعاون على البر والإحسان لجميع الناس وبذل المال في سبيل الله على الفقراء والمساكين والمحتاجين والمحرومين، قال سبحانه وتعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى سورة المائدة(2)، وقال سبحانه: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ سورة الذاريات(19)، وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سورة البقرة(177). ولم يقتصر فعل الخير في القرآن على المال وحده، كما تعددت نتائجه على فاعله لينال به درجات عليا من الرفعة عند الله سبحانه وتعالى، فجعل فعل الخير وحياً منه للأئمة من الأمة وجعلهم سبلاً للهداية: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ سورة الأنبياء(73)، وربط سبحانه فعل الخير بالفلاح: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة الحج(77)، وأمر سبحانه بالتنافس في فعل الخير الذي يترتب عليه الفوز الكبير في الآخرة: فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ سورة المائدة(48).

أما السنة النبوية الشريفة فقد حفلت بما لا يحصى من الحض على الخير وبينت جزاء فاعليه وأوجهه المتعددة، حتى ذكرت أدنى درجات الإيمان وهي إماطة الأذى عن الطريق، أما أفعال رسول الله صلى الله عليه سولم وأعماله، والذي كان خلقه القرآن -كما قالت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها- فقد كانت بحق مثلاً لا نظير له ولا شبيه في تجسيد الخير في أعلى مراتبه وأرقى صوره، وها هي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تصف خلق الرسول عليه الصلاة والسلام حتى قبل أن تنزل عليه الرسالة التي هيأه الله سبحانه تعالى على تحملها بخلق رفيع من الصدق والأمانة وحب الخير للناس وبذل الجهد بيده وماله وفكره، وذلك أنه لما رأى جبري لصلى الله عليه وسلم ونزل عليه بقول الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (1-3) سورة العلق، رجع رسول الله من غار حراء يرجف فؤاده، ودخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فأخبر خديجة بالخبر، وقال لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق..» متفق عليه. فخديجة كان كل ما وصفت به الرسول حتى أقسمت بألا يخزيه الله، اختارت فيه الصفات التي يتجاوز نفعها الفرد لتعود على المجتمع بأكمله بالفائدة، وأنه لفهم يدل ما تتصف به هذه المرأة العظيمة من صفات أهلتها أن تكون أولى زوجات رسولنا الكريم، كما يدل على مدى ما قدمته لرسولنا الكريم من معونة ومساندة، وللدعوة حتى تشرفت بأن جبريل عليه السلام يخبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أ، الله تبارك من علاه يقرئ خديجة السلام.

والأحاديث النبوية الشريفة في فضل التطوع والحث عليه تكاد تشمل كل منحى يخطر على بال الإنسان، وتعادل أفضليتها كل عمل يرجو الإنسان الأجر والثواب من ورائه مهما عظم، أو تعادله، – وفق ما جاء في الصحاح- فالساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار، ورجل رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يتقلب في اللجنة كان بفضل الله في شجرة قطعها من ظهر الطريق حتى لا تؤذي الناس، ومن يمشي في حاجة أخيه خير له من اعتكاف عشر سنوات، ومن يغدو مع أخيه فيقضي حاجه خير له من أن يصلي في مسجد رسول الله مئة ركعة، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ويضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثال معنى ولغةً، فيقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، فالأمة التي تهمل حاجات ضعافها وأصحاب الحاجة فيها لهي بحق أمة مريضة مآلها القعود في آخر صفوف الأمم المتطلعة للمواكبة الحضارية، وتحدد السنة مقدار نفع الإنسان بمدى نفعه للآخرين من البشر، مسلماً أكان أم غير مسلم، ولا تستثنى السنة الشريفة أحداً مهما كان حاله حتى إذ عجز لفقره أو ضعف قوته وحيلته أو تواضع فكره عن التطوع منحته السنة المشرفة فرصة المشاركة، وما أجمل قول رسول الله في ذلك: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة».

لقد انعكس هذا الاهتمام في التعاليم الإسلامية سلوكاً وعملاً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى التابعين حتى أن قصصهم في البذل بالمال والجهد والفكر أكثر من أن تحصى أو تحكى، والكتب الإسلامية التاريخية تفيض بهذه القصص، وكان الخلفاء الراشدون المهديون القدوة الحسنة -بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – في التطوع احتساباً للأجر والجزاء من الله سبحانه وتعالى، فهذا أبو بكر كان يحلب للحي أغنامهم واستمر على ذلك حتى بعد أ، أصبح خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر كان يحمل فوق ظهره الدقيق ليصل به إلى محتاج ويساعد وزوجته أم كلثوم بنت علي امرأة في المخاض، وعثمان ذو النورين أنفق كل ماله في جيش العسرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماضر عثمان ما فعل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». وكان علي يكنس بيت مال المسلمين بنفسه، رضي الله عنهم أجمعين.

ووصل العمل المؤسسي ووضع القواعد المنظمة لها شأواً كبيراً في الفكر الإسلامي، فأفرد علماء المسلمين من الفقهاء والمحدثين أبواباً في كتبهم تبين الأحكام التفصيلية لكثير من الأعمال التطوعية، مثل أحكام الوكالة وأحكام الكفالة وأحكام اللقطة وكلها تستند أساساً على أعمال التطوع، وكل فروض الكفايات كما أسلفنا، والتي لها أبوابها وقواعدها في الفقه الإسلامي هي من الأعمال التطوعية.

يرتكز العمل الخيري والعمل التطوعي في البلاد العربية والإسلامية على قاعدة تاريخية وثقافية وتقاليد موروثة ثرة، فضلاً عن أن العمل التطوعي يرقى إلى درجة الواجب الملزم عند المسلمين متى ما دعت الضرورة ولم يقم بعض المسلمين بسد النقص الناتج عن غيابه (في فروض الكفايات)، ومع ذلك تقبع الدول العربية في آخر القائمة في مقدرتها على تفعيل العمل التطوعي ومساهمة القطاع الثالث برمته في مجتمعاتها في النمو البشري، وقد أضحى ضرورة في ظل ما تشهده الدول العربية من وضع يحتم أن يسهم القطاع الثالث بنصيبه في التنمية المستدامة، والعالم كله يعيش حركة نشطة ومتصاعدة في تفعيل مشاركة المجتمع المدني في النمو والرفاه في المجتمعات. إن تراجع الثقافة التطوعية في المجتمعات العربية ينبئ في المجتمعات. إن تراجع الثقافة التطوعية في المجتمعات العربية ينبئ عن خلل في البنية المؤسسية في غالب إدارات العمل العربية، كما في إدارات العمل الخيري التي غالباً ما تغيب عنها أدبيات وسياسات الإدارة الاستراتيجية والاحترافية العلمية للعمل الخيري وللتطوع بوصفه علماص له أسسه وقواعده.. ومن هذه المعرفة ثم وضع الحلول وفقها فقط يمكن أن ننطلق بالعمل التطوعي العربي، وإدارة الأعمال في مختلف القطاعات العربية أيضاً إلى آفاق النجاح.

 

التطوع.. الدعوة إلى إطار مؤسسي فاعل

مجلس الوزراء السعودي يقر نظام العمل التطوعي

عندما نتطرق بالحديث إلى «التطوع» – وهو حديث ذو شجون، تنحو بنا نحو الاسترسال فيه دوافع عقدية ونفسية وتربوية، عمل على ترسيخها معايشة فعلية بحكم العمل – تقفز إلى الذهن التحولات الكبيرة والتغيير العميق الذي تقوده فعاليات المجتمع المدني لبناء قدرات الناس وتحقيق رفاههم وتنمية مجتمعاتهم تنمية مستدامة. لقد أضحى مفهوم المواطنة بمعناه الصحيح والشامل هو مشاركة المواطنين حكوماتهم من أجل تغيير يضع المواطنين في خانة الفعل لا التلقي؛ فالإنسان في الأمم الحية هو محور التنمية وصانعها في الوقت نفسه، والعمل التطوعي الذي يُعَدّ دافعاً من دوافع التنمية بمفهومها الشامل والمستدام على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة مؤشر على حيوية الأمم وتفاعلها الحي مع قضاياها، بوصفها كياناً واحداً، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وإذ نلتفت إلى البيئة التي يتكئ عليها العمل التطوعي في بلادنا نجدها زاخرة بكل العوامل التي تدفع بالعمل التطوعي إلى آفاق بعيدة، قلما تستطيع دولة أخرى بلوغها، ويكفي هنا أن نشير إلى أن بلادنا هي مهبط الوحي، ومنطلق الرسالة الخالدة التي تصل بالتطوع إلى أقصى مراحله، حتى أنه يصبح واجباً في بعض الأحيان. هذه الحيثيات تجعلنا نطالب بالتأسيس لأدبيات إدارية، توظف هذه البيئة الحاضنة؛ من أجل أن يساهم العمل التطوعي في التغيير المنشود في بناء القدرات البشرية، وفتح قنوات هذا العمل؛ لتصب في قناة واحدة، يمتح من معينها المجتمع بكامل شرائحه وفئاته. وتبدو الحاجة ماسة إلى إنشاء كيان يتولى التنظيم والإدارة لعمل تطوعي مؤسسي، تتداعى له الفعاليات الإدارية في الجمعيات والمنظمات الخيرية والجامعات السعودية والمسؤولون الحكوميون القائمون على تنظيم العمل الخيري. إن خطوة كهذه من شأنها أن تتلافى كل السلبيات والمعوقات التي تعيق عملاً تطوعياً مؤسسياً، يستفيد من خلال التقصي والدراسات العلمية من بلورة فكر إداري تطوعي، وتسخيره في استثمار هذا التوق لعمل الخير في نفوس المواطنين الاستثمار الأمثل الذي يجعل من التطوع عطاء مستمراً ومتواصلاً، ويضعه في إطاره التنظيمي المقنن الذي يحصنه مما يمكن أن تلحقه به الفردية من تجاوزات تضر به، سواء من حيث قلة مردوده أو من حيث فقدان حماس المتطوع نفسه بفعل شعوره بعدم جدوى عمله؛ وبالتالي فقدان طاقة بشرية كان يمكن استغلالها في رفد جماعي تطوعي، يشعر الجميع بجدواهويعمل على تقويته ما تبعثه الجماعة المتآزرة من حماس في النفوس، والتغلب على ما يمكن أن يلاقيه الفرد من تثبيط للهمة من بعض الفئات التي لا تؤمن بجدوى عمل مؤسسات المجتمع المدني.

إن المشكلة لا تكمن في إيجاد المتطوع؛ فالمزاج النفسي مهيأ تماماً لدى كثيرين في بلادنا للانخراط في هذا العمل الذي يجد حوافزه من التنشئة المجتمعية، التي ترى أن عمل الخير هو مقياس لتحديد الشخصية في غالب الأحيان، وإن كانت عوامل أخرى تدخلت للإخلال بهذه المقاييس في نظر المجتمع، ولكن ما يجب الانتباه إليه هو ضرورة أن نستنفر طاقات هذا المتطوع في سد الاحتياجات الأساسية للمجتمع، وتوجيه هذه الطاقة حسب قدرات المتطوع وإمكاناته ورغبته، وهو أمر يساعد على أن يعطي أفضل ما عنده، ويساعده على الاستمرار وعدم الانقطاع عن العمل الذي يجد فيه نفسه، ولا يصطدم بمفاهيمه وثقافته المجتمعية، ومن باب أولى ألا يتعارض عمله الطوعي مع وظيفته وعمله الأساسي، ولا مع القوانين السارية للدولة التي يمكن أن تطوله قانونياً.
إن المعايير التي يتم بها اختيار المتطوعين للانخراط في العمل التطوعي تبدو على جانب كبير من الأهمية؛ إذ يستند إليها نجاح العمل برمته، وهو اختيار لا يتم خبط عشواء؛ فمن المهم أن تمتلك المنظمة التي تدير العمل طواقم من الخبرات ذات الاختصاص بعملية الاختيار، سواء من الإداريين أو المدربين المتمرسين أو الأطباء النفسيين؛ ما يمكنها من ضمان سلامة الاختيار؛ الأمر الذي يضع أرضية مشتركة لكلا الطرفين: جهة العمل والمتطوع، تحدد الالتزامات والفوائد المكتسبة لكل الأطراف. ومن خلال الاختيار الصحيح للمتطوعين نستطيع أن نستنفر كل طاقات المتطوعين من أجل أن تصب في صالح الأهداف المحددة بكفاءة وسرعة؛ ما يقلل من كلفة العمل المنفَّذ من غير أن نحمِّل المتطوع عملاً فوق قدراته. إن هذا التحديد والاختيار للمتطوع يهيئان المجال لتفهم المتطوع سياسات المنظمة وتوجهاتها، وخلق الانسجام الذي لا بد منه لتحقيق النجاح في أي عمل.

يغيب عن أذهان الكثيرين الذين يعملون في مجال العمل التطوعي أهمية التدريب والتأهيل للمتطوع. أما تدريب القائمين على إدارة العمل التطوعي أنفسهم فهو لا يخطر على البال، رغم أهميته البالغة في نظري؛ لأن المنظِّرين العالميين لا يتطرقون إليه بوصفه مسألة بدهية، لا يقوم العمل الطوعي من غير وجود هذه الإدارات المدربة ذات الكفاءة العالية التي تنظم العمل التطوعي وتديره. وهنا أتمنى أن يعمل الكيان التنظيمي للعمل التطوعي الذي اقترحته آنفاً على أن تكون أولى خطواته ابتعاث إداريين ومدربين، بالتنسيق مع منظمات العمل الطوعي في الأمم المتحدة، لنيل ما يمكن أن يؤسس لعمل منظمي فاعل. وبالنسبة للمتطوع فإن التدريب يكسبه مهارات جديدة، تزيد من تفاعله مع الأعمال التي يقوم بها، ويوفر جهده ووقته للدفع بالعمل إلى مزيد من التجويد. وكما أن المتدربين يختلفون في مدى الوقت الذي يحتاجون إليه لإجادة الأعمال الملقاة على كواهلهم فإن الأعمال التطوعية نفسها تختلف بساطة وتعقيداً؛ ما يجعل من الدورات التدريبية من أجل القيام بها وإنجازها بكفاءة وفاعلية تتباين هي أيضاً في نوعيتها ومددها المقررة. ومن هنا يستطيع أن يؤدي التدريب دوره المأمول في ربط المتطوع بالمنظمة والمؤسسة، وترسيخ الانتماء إليها؛ ما يعمل على تشجيعه وتحفيزه للاستمرار فيها، خاصة وهو يشعر بأنه يؤدي عمله بشكل أفضل، ويرى نتائجه واقعاً ماثلاً على الأرض. ويجيء دور إدارة العمل التطوعي وفهمها لدورها تجاه المتطوع عاملاً لا يستهان به في إذكاء الحماس في نفوس المتطوعين، وعدم انقطاعهم عن المنظمة؛ ما يعيدنا إلى أهمية التدريب والتأهيل بصورة أكبر للإدارات الاستراتيجية نفسها، اللذين طالبنا بهما.

وتتميز إدارات العمل التطوعي بميزات، يجب توافرها لانطلاق العمل التطوعي في مساره الصحيح، والمحافظة على المتطوع بوصفه رأس المال الأغلى بل الضروري لاستمرار العمل. ومن أهم تلك الميزات إشعار المتطوع بأنه جزءٌ من المؤسسة، ومشارك في إنجازاتها، وليس هامشاً يمكن الاستغناء عنه، وأن تتسم أعمال المنظمة بالشفافية والنزاهة، بحيث يكون العمل الذي تقوم به والفوائد المكتسبة من العمل ومدخلات المنظمة ومخرجاتها واضحة ومعلنة للجميع. وتعمل البيئة الديمقراطية التي يتبادل فيها الجميع الآراء، ويساهمون في القرارات، بوصفها أقوى عوامل الجذب للمتطوع، الذي يحتاج إلى التقدير من المنظمة كون البحث عن التقدير غريزة مترسخة في الإنسان، يحتاج إليها، ويبحث عنها بحثه للأمن وسد الجوع.

إن إدارة العمل التطوعي والمتطوعين تحتاج بين فترة وأخرى للوقوف وتقييم المسيرة، والبحث عن مكامن القوة ودعمها، والوقوف على السلبيات ودرئها، من خلال دراسة مواضع القوة والنقص وبيئة العمل في داخل المنظمة ومجال عملها؛ لوضع خريطة طريق مستقبلية، تقنع جميع الأطراف بجدواها.

التطوع.. أسس الانطلاق وآليات العمل
في خاتمة هذه السلسلة من المقالات عن (التطوع والعمل التطوعي)، أتمنى أن تُبذل الجهود المخلصة من الجميع في القطاعين الحكومي والأهلي والقطاع الثالث، من خلال جميع الفعاليات المهتمة بمجال التطوع والخبراء في هذا المجال، ليصل مجتمعنا السعودي إلى بلورة فكر موحَّد تجاه مفهوم التطوع وآليات تفعيل العمل التطوعي. وفي اعتقادي أنَّ الخطوة الصحيحة التي يجب أن تتضافر جهودنا للبدء من خلالها نحو عمل تطوعي فاعل هي البناء من الأساس، حيث ننطلق من النشء والسواعد الشابة التي يعول على حماسها وطاقاتها الخلاقة الوطن من أجل تواصل مسيرته ورفاه أبنائه. إنَّ التباساً قد يحدث لدى كثيرين حول مفهوم التطوع الذي يراه بعض الناس مجرد انصراف العمل التطوعي نحو الفئات الخاصة والمعوقين والمكفوفين والمرضى، وإن كان هذا من مقاصده النبيلة، ولكن العمل التطوعي لا يُقتصر على خدمة هذه الشرائح فحسب، إذ يشمل التطوع المجتمع وإنسانه ثقافياً واقتصادياً وتربوياً، ويتسع طيفه من تعليم التلاميذ إلى بناء الطرق إلى إقامة الورش التوعوية أو تعليم السجناء مهناً خاصة يعولون بها أنفسهم وأسرهم حتى لا يعودوا إلى عالم الجريمة. إنَّ التطوع بمفهومه الواسع هذا يتيح للناس أن يكونوا مشاركين أصيلين في تحديد وتوجهات حياتهم، ومنخرطين في التنمية البشرية التي يمتد أثرها لذواتهم ومجتمعاتهم. ويبدو أن المفهوم القاصر لمعنى التطوع يعمل بشكل سالب على عدم إقدام الكثيرين في مجتمعاتنا العربية للانخراط فيه.

ونحن نتحدث عن أهمية التأسيس لإرساء ثقافة التطوع -بدءاً- لدى النشء والشباب في مدارسهم وجامعاتهم ومن خلال الوسائل الإعلامية الموجهة لهذه الفئة، يجب ألا يغيب عن بالنا ونحن نذكي حماسهم بذكر الفوائد الكثيرة التي سيحققها المجتمع من تطوعه، ما يمكن أن يحققه له العمل التطوعي من فوائد تعود إلى إثراء حياته هو نفسه وبناء شخصيته، ومن نافلة القول أن هذه الفوائد تنسحب على جميع الفئات وبمختلف الأعمار.

إن شعور المرء وهو يقوم بعمل تطوعي يفيد الناس ويمتد أثره إلى مجتمعه لهو شعور يملأ نفس المتطوع بالرضا ويشعره بكينونته وأهميته وسط أبناء مجتمعه، وهو إذ يمتلئ بهذه الأحاسيس يلمس أيضاً فائدة الترابط بين أفراد المجتمع وأهمية التآزر الذي يشعره بالاطمئنان على مستقبله ومستقبل أسرته، كونه يعيش مجتمعاً حاضناً له ولأبنائه مهما حدث له من ظروف أو ألمَّ به من خطوب. إن مشاركة المتطوع لهؤلاء المتحمسين لتقديم المساعدة للناس بكل ما تحمله نفوسهم من حبّ الخير للآخرين يثري حياة المتطوع ويصقل شخصيته. ولما كان أهم ما يميز الانخراط في العمل التطوعي هو مشاركة المتطوع في صنع القرار والحرية التي يتمتع بها الجميع في تنفيذ أعمالهم التطوعية بأقل ما يرون من طرق وأجداها من خلال تبادل الرؤى والأفكار، فإن العمل التطوعي يصبح حافزاً قوياً لإذكاء روح المبادرة لدى الفرد واستنفار طاقاته الخلاقة والمبدعة، وهو أمر ينعكس على حياته وجميع شؤونه فيقوده إلى النجاح في جميع أعماله. كما أنَّ العمل التطوعي له أكبر الأثر في تحمل الفرد للمسؤولية وتعزيز تعاطفه وتقديره للآخرين وشعوره من خلال ذلك بقيمته الإنسانية هو نفسه ودعم تقديره لذاته. ويعد التطوع من أكثر الأساليب ترسيخاً لمعاني الوطنية في نفوس النشء ما لا يمكن أن تؤديه عشرات الكتب أو العديد من الدروس عن التربية الوطنية في الفصول وقاعات المحاضرات. وبلا شك يبقى حافز انتظار الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى قيمة كبرى يتطلع لنيلها المتطوعون من أبناء بلادنا الذين يمثل الواعز الديني ركيزة أساس في وعيهم وتربيتهم وثقافتهم.

إن تفاعل المجتمع مع العمل التطوعي وانخراط أفراده في الأعمال التطوعية يضعه في دائرة الفعل لمعايشة قضاياه وحل ما يعتري مسيرته من مشكلات ويرفع في الوقت نفسه أعباء مادية كبيرة عن كاهل الحكومة تستطيع أن تصرفها في مصارف أخرى لصالح تنمية هذا المجتمع ورفاه أفراده. إن العمل التطوعي بهذا المعنى يزيد من تماسك المجتمع ويحصنه من كثير من الأمراض الاجتماعية التي تهدم المجتمعات وتقوض أركانها، كالجشع وإيثار الذات وما ينتج عنها من مفاسد ومظالم.

عوائق كثيرة تلك التي تعترض العمل التطوعي وتؤدي بالتالي إلى قلة مردوده أو تقاعس بعض الناس للانخراط فيه، وأبرزها عدم وجود الأنظمة الأساسية التي تنظم العمل التطوعي، وغياب لوائح الحقوق والواجبات، وغياب الأهداف الواضحة لدى الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تدير العمل التطوعي، وبالبروقراطية التي تميز كثيراً من الإدارات القائمة به. وما تعرضت له الجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي على وجه الخصوص من دعاوى جائرة مؤخراً حدَّ كثيراً من نشاطها وحركتها إلى جانب غياب المؤسسية التي تحدثنا عنها آنفاً، ونقص التدريب وما يتعلق باختيار المتطوع. وهذه العوائق تحتاج من أجل النجاح في تخطيها إلى متطوع يتحلى بالشجاعة في تحمل المسؤولية والتزام صارم بالمبادئ والأهداف التي تسعى المنظمة التطوعية لتحقيقها، والاتصاف بروح التسامح وتقبل النقد والقبول بإجماع الآراء فيما يتعلق بالعمل التطوعي. ويبقى دور المؤسسة كبيراً وضرورياً لتتحقق لها الاستفادة من أقصى طاقات المتطوعين وقدراتهم لتذليل تلك العقبات والعوائق التي تعترض مسيرة العمل التطوعي، فضلاً عن ضرورة وجود إدارات استراتيجية فاعلة تسير وفق خطط عمل واضحة وشفافة وملزمة لإشراك الجميع في كل تفاصيل العمل التطوعي والميزنيات المحددة له وفق اللوائح المالية والقانونية وبنود الصرف، مع عدم إهمال مبدأ المحاسبة للجميع بعدالة ونزاهة.

لم يعد التطوع اليوم مجرد مناسبة يتداعى لها الناس في وقت الأزمات والكوارث ثم تعود الحال إلى ما كانت عليه، بعد أن أضحى العمل التطوعي منظومة متكاملة تقوم على أسس راسخة من العلوم والدراسات، وبعد أن حققت من خلاله دول ومنظمات دولية نجاحات كان لها أثرها الاقتصادي والاجتماعي الكبير، وأصبحت مجموعة تلك العلوم تشمل جهود الخبراء في شتى المجالات من: علماء الاقتصاد الذين يملكون الرؤية والتي يحددون من خلالها المجالات المجتمعية التي تحتاج الدعم والمساندة والسبل الكفيلة بتنامي اقتصاديات الجمعيات التطوعية، وعلماء الاجتماع لمقدرتهم في رصد سلوك المجتمع وتوجيهه توجيهاً إيجابياً سليماً يسهم في دعم الاستقرار الاجتماعي، وعلماء النفس الذين يعالجون الآثار السالبة لبعض الأمراض النفسية الهدامة كالاحباط والتسلط وفتور العزم، وتبلور كل هذه الجهود وتنطلق من مراكز أبحاث متخصصة تعمل على تطوير أداء العمل الخيري، وتسهم في وضع خرائط مستقبلية للعمل التطوعي تقوم على أسس علمية مستندة على الدراسات والبحوث والإحصاءات.

وإن كان لي من إشارة في هذا المقام، فهي إلى ثورة تقنية الاتصالات التي أصبح العالم بفعل تأثيرها قرية كونية صغيرة، ولم يعد لأي مجال أو علوم أو نشاط يرجى له التفاعل والنجاح أن يمضي من دون استخدامها بكل آلياتها ومهاراتها. و(التطوع) من أكثر المجالات التي استفادت من هذا التطور الرقمي الكبير من خلال الإعلام الاجتماعي. إن الدعوة إلى أن تصبح المملكة مجتمعاً رقمياً لا تقتصر على حصرها في مجال التطوع، إذ إن المجتمع الرقمي هو البوابة لمجتمع المعرفة، ولم يعد ممكناً الوصول إلى التنمية الشاملة والمستدامة في عالم اليوم إلا من خلالها.

(*) المصدر: صحيفة الجزيرة

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

لكرة الثلج اليوم أكتب ( للمتطوعين في يومهم تحية)

بقلم: اريج النابلسي ككرة الثلج يبدأ ببياضه الناصع ونقائة اللامتناهي يبدأ صغيراً ليكبرَ شيئاً فشيئاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.