الرئيسية / آراء ومقالات / الحب في زمن الكورونا

الحب في زمن الكورونا

بقلم: د. صالح بن حمد التويجري*

لك ان تتخيل.. ساحات وشوارع مدن العالم فارغة .. بعد أن كانت تضج بالحركة أصبحت خالية.. لا تسمع منها إلا صافرات منع التجول.. وأصبح السكان قابعين في بيوتهم.. ملتزمين بأعلى درجات الاحتياط والحذر.. وسائل المواصلات متوقفة..

 

لا يمكنك حتى تقبيل راس امك أو ابيك.. ولا يمكنك ضم ابنك او ابنتك أو زوجتك او حتى مصافحة اخ او أخت او قريب أو صديق.. لا تتابع في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي إلا أخبار سطوة هذا العدو … غزوة تلو غزوة.. دولة تلو دولة.. تتناول القنوات الفضائية صور الرعب في دول العالم من هذه الجائحة..باريس تجثو على ركبتيها هلعا.. رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يعلن نيويورك منطقة كوارث.. لندن تعلن استسلامها للحجر الصحي.. مشهد روما المنكوبة يثير الرعب والشفقة في نفوس العالم.. المملكة العربية السعودية تغلق الحرمين الشريفين أمام المعتمرين والزوار  ودور العبادة الأخرى بشكل مؤقت كإجراء احترازي.. خطر داهم ناجم عن فيروس خفي.. اقتصاد العالم يهتز بقوة؛ كما شركاته الكبرى.. وبورصاته تتهاوى مؤشراتها الخضراء لتحل محلها الحمراء…. معلنة خسائر بمليارات الدولارات.. هل بإمكان دول العالم مواجهة هذا العدوان الغاشم..هي رغم تطورها الفكري الهائل أصبحت عاجزة حتى عن رؤية المصدر الخفي لهذا العدوان لأنه لا يمكن رؤيته او هزيمته بأدوات الحرب التي تسابقت دول العالم على اختراعها .. هو عدو خفي لايمكنك ان تراه..

كان من الطبيعي أن يلقي هذا الفيروس الخفي بظلال قاتمة على اقتصاديات كثير من دول العالم.. فبدأ بالصين التي يرتبط اقتصادها بالاقتصاد الدولي ويتداخل معه بشكل لافت، ويشكّل القوة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، كل ذلك كان مدعاة لأن تنعكس أي علة تصيبه على بقية اقتصاديات دول العالم، خاصة بعد إنتشار الفيروس في كثير من المناطق؛ وهذا التأثير الاقتصادي حتما سينعكس سلباً على مسيرة العمل الإنساني مع توقعات بتراجع سقف الدعم الدولي للدول المستضيفة لأعداد كبيرة من اللاجئين الهاربين من الصراعات المسلحة في بلدانهم.. الأمر الذي يحتم مضاعفة الجهود لمحاصرة هذا الفيروس الذي كشف خبراء اقتصاديون في الأمم المتحدة أنه سيكلّف الاقتصاد العالمي الكثير الكثير، ويؤدي لانخفاض في صادرات الصناعات التحويلية في جميع انحاء العالم، و للحيلولة دون تاثر  العمل الإنساني بهذا الانخفاض حتما ستسعى المنظمات العاملة في المجال الإنساني إلى عمل ما من شأنه أن يسهم في تدارك الأمر.

حري بنا هنا أن نشير بنظرة تفاؤلية إلى أن سحابة كورونا حتما ستنقشع يوما ما.. وحتما سنعود إلى حياتنا الطبيعية ونخرج من مخابئ العزل.. ويزول الخطر.. ولكن يجب علينا بعد تجاوز هذه الازمة أن نعمل على نشر قيم التسامح في مجتمعاتنا.. واتخاذه اسلوب حياة ومنهاج عمل في كل تعاملاتنا بعيدا عن أي تعصب أعمى.. علينا أن نمتلك الاستعداد النفسي والقدرة الذهنية على قبول الآخر واحترامه والتحاور معه بوعي مستنير .. ويجب أن ندرك انه بالتسامح يمكن أن تزدهر المجتمعات أي مجتمعات وتنمو.. وهو سبب من اسباب التقوى وصفة للمتقين لقوله عز وجل وان تعفو أقرب للتقوى ولا تنسو الفضل بينكم” .. وهو شعور بالراحة النفسية وسبب من أسباب نيل العزة لقوله صلى الله عليه وسلم وما زاد الله عبدا يعفو إلا عزا” ويعزز روابط الأخوة لقوله تعالى “إنما المؤمنون إخوة” وبه ينهض الضعيف بالقوي ولا يبقى في المجتمعات فقير.

ومع قرب انقشاع سحابة كورونا  نتساءل: كم نحن بحاجة لتعزيز قيم التراحم والتعاطف والإنسانية في المجتمعات؟ فلنتذكر أن الإسلام هو دين الإنسانية.. يدعو إلى التعاون والتلاحم بين أفراد المجتمع حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.. هو دين اهتم بقضاء حوائج الناس وحل مشكلاتهم وتفريج كروبهم..من مظاهر جوانبه الإنسانية أن يكون المسلم متضامنا مع أخيه ساعيا لقضاء حاجته ويخف لنجدته.

صحيح أن لكورونا انعكاسات سلبية مأساوية لكن لها جوانب إيجابية منها إيقاظ البشر من غفلاتهم؛ وحدة الكلمة والهدف لمواجهة أي خطر عالمي؛ وحتما لن يكون العالم ما بعد كورونا كما كان قبلها؛ ومن يعتقد أن يعود العالم إلى الأساليب القديمة سيكون واهما؛ حيث أثبتت التجارب على مر العصور  أن بذور الأفكار الجديدة إذا تمت تجربتها لا تموت؛ قد تخبو وتتلكأ  لكنها ستعود وتولد من جديد من أجل خدمة الإنسانية.

بقى ان نشير هنا إلى أن الحاجة ام الاختراع” وان نعلم أن الكثير من اختراعات وابتكارات البشرية في القرن العشرين ولدت في ظل الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة حينما كان سباق الحياة أو الموت هو الدافع لابتكار أحدث الطائرات والقطارات وشبكات الاتصال وغزو الفضاء.. وحتما فإنه تنتج من جائحة كورونا ابتكارات تقنية جديدة لخدمة البشرية جمعاء.. ويكفي أن هذه الجائحة كانت لا بد أن توحد مشاعر دول العالم لمواجهة أي تحديات إنسانية مهما تعاظمت.

وتظل أعظم الدروس التي تعلمناها من الجائحة هو أهمية تعزيز التضامن بين أبناء دول العالم أجمع بصفة عامة وابناء الوطن الواحد بصفة خاصة؛ ما يؤدي إلى تعزيز الشعور بالإنتماء إلى شعب ووطن؛ يقبل فيه المواطن ان يضحي من أجلهما بهدف تحقيق الصالح العام ومواجهة اي تحديات إنسانية؛ وتعزيز الترابط الاجتماعي؛ وتظل الوحدة بين أبناء الوطن الواحد ذات أهمية قصوى لمنحنا القوة التي تمكننا من حماية أنفسنا من الأوبئة؛ والنهوض بكافة قطاعات المجتمع؛ ما يؤدي لتمهيد الطريق نحو مستقبل مشرق لكافة فئاته.

ولعل إنتشار هذا الوباء يعزز  فكرة التضامن الإنساني الدولى وتوحيد الجهود ليس فقط لمواجهته ولكن لتجاوز ذلك إلي التعاون في خدمة القضايا الإنسانية ومختلف المجالات التي تعود بالخير والنفع لشعوب العالم، ولا بد من تضامن سياسي وتقني مالي بين كل الدول، نحتاج لتقديم الدعم الفني المساعد في المكافحة والعمل بقوة من أجل احتواء الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي يمكن أن يسببها الانتشار العالمي للإصابات في الصين وإيران وإيطاليا وكوريا وألمانيا وغير ذلك من الدول،اضافة لاستمرار حالة اليقظة والاستعداد لأنه لا وقت للتهاون،والاستمرار في حالة الطوارئ الصحية دون أن تنشر الخوف غير المبرر، وفي ذات الوقت دون أن تقلل من خطورة الموقف، ولا بد من تبادل المعلومات والبيانات بين جميع الدول من أجل تقديم أرقام مفصلة عن الإصابات؛ وتبليغ منظمة الصحة العالمية بها،ومضاعفة الجهد في حماية العاملين الصحيين ممن هم على خط المواجهة في المعركة ضد الفيروس، وحث المجتمعات المحلية على حماية الأكثر عرضة للإصابة خاصة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وحماية أكثر البلدان ضعفاً، صحيح أن تخصيص دول العالم لمبالغ ضخمة سيكون له دوره الفاعل في التصدي للأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي الفيروس، ولكن الأهم يظل هو العمل المستمر لتعزيز الصحة في السياق الإنساني من خلال التركيز على مواجهة هذا العدو الخفي الذي لا يفرق بين دولة وأخرى أو دين وآخر أو عرق وآخر ، مع استخدام أهداف التنمية المستدامة أداة لدعم نهج تعاونية متكاملة لوضع إطار مستدام للقضاء على هذا الفيروس وتعزيز القدرة للتصدي لأي اوبئة في المستقبل لا سمح الله ، وتبادل المعلومات المهمة المستمدة من أنظمة الإنذار المبكر لضمان التدخلات المبكرة لمكافحة الفيروس، حيث يظل ماراثون مكافحته على الصعيد العالمي اختبارا عمليا للأخوة الإنسانية، كون الجميع في مركب واحد للتصدي للخطر.

 وأرى اننا بحاجة لإخراج مليارات الدولارات واليوروات في دول العالم من أجل خدمة الإنسانية والنازحين والمشردين بسبب الأزمات والكوارث؛ ودعم البحوث والاختراعات الطبية من أجل خدمة البشرية جمعاء؛ مع تنمية قدرات المجتمعات المتضررة من أجل تمكينها على مواجهة أي كوارث؛ وفتح قنوات جديدة لتمويل العمل الإنساني؛ وتعزيز  الربط بين العمل الإنساني والتنموي؛وزيادة حجم الدعم المقدم للدول الفقيرة حول العالم لتحقيق التنمية المستدامة فيها.

وختاما أرى أهمية مضاعفة الجهود للتصدي لأي أوبئة في المستقبل.. كذلك التصدي لما يجعل البشر يكره بعضه بعضًا ويقتل بعضه بعضًا.. والعمل على مجابهة التغير المناخي ومايسببه من كوارث تؤثر على حياة بني البشر.. والارتقاء بالنظام المالي حتى يتم القضاء على الحاجة والعوز في المجتمعات..

 نعم ان الحب والإنسانية في زمن الكورونا وما بعده يجب ان يعم المعمورة وينعم به سكانها في الشمال والجنوب والغرب دون تسلط قوي على ضعيف أو عالم على جاهل أو عرق على عرق.

* أمين عام المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

معاناة اللاجئين .. التحديات والحلول

بقلم: د. صالح بن حمد التويجري الأمين العام للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر تظل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.