الرئيسية / آراء ومقالات / الواقع الاعتيادي الجديد

الواقع الاعتيادي الجديد

بقلم: عبدالرزاق محمد نور أمان
مساعد المشرف على مركز المعلومات والدراسات والتوثيق في المنظمة

تصادفنا في حياتنا العديد من الأحداث والتطورات، بعضها يكون حدثاً كبيراً يجعلك تتغير وتصبح شخصا مختلفاً عن ما كان قبل هذا الحدث، فمثلا أنت بالتأكيد تغيرت طريقة معيشتك بعد أول وظيفة تعمل بها لأنه أصبح لديك واقع جديد متغيّر تتعامل معه. كذلك الحال مع المجتمعات البشرية تقع احداث تغيّر واقع البشر كما هو الحال مع الأفراد.

نعم أن الواقع في تغيّر مستمر بنسق متزن وبشكل بطئ ولا يمكن ملاحظته الا بعد مرور عشرات السنوات، ولكن أحيانا توجد أحداث عالمية تغيّر الواقع العام لكل البشرية بشكل سريع، فمثلاً العالم ليس نفسه قبل الثورة الصناعية 1712 عندما قام جيمس وات بجعل الآلة البخارية تستخدم في تدوير الطواحين والمناشير وأيضا العالم تغيّر بشكل سريع بسبب الحرب العالمية الثانية .

أما حالياً فإننا نشهد إحدى أخطر الكوارث الصحية هي جائحة فايروس كورونا كوفيد 19 الذي جعل العالم كله في حالة طوارئ ودفع كل بلد إلى الانغلاق على نفسه، وأضطر الناس للبقاء في بيوتهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أوجدت هذه الجائحة واقعاً جديداً مختلفاً عن ما كان قبل الجائحة تغيّرت فيه عدة معايير اجتماعية واقتصادية.

ألقت هذه الجائحة بظلال قاتمة على واقع العالم وأضفته عليه ملامح جديدة أثرت على كل فرد في هذا الكوكب وبعد انتهاء أو قرب انتهاء هذه الجائحة تشكّل واقعاً جديداً أثّر سلباً على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية .

فقد أدى تفشي الجائحة إلى حدوث أزمة في عالم الفن والثقافة حول العالم، حيث استجاب منظمو المسرحيات والحفلات الفنية والأحداث الثقافية حول العالم للإجراءات الوقائية والاحترازية، وعملوا على إلغاء كل الأحداث الفنية والثقافية مما تسبب لهم بخسائر مادية فادحة قُدرت بما لا يقل عن 7 مليارات دولار حتى الآن على مستوى العالم، ويتوقع أن ترتفع إلى 17 مليار دولار، الأمر الذي يؤكد أن عالم الفن والثقافة في معظم دول العالم هو الأكثر تضرراً من هذه الأزمة العالمية.

وفي الوقت الذي مني فيه عالم الفن والثقافة بخسائر مادية كبيرة بسبب كورونا، حقّقت شركات أخرى نمواً ملحوظاً وهي شركات تزويد خدمة البث الحي والفيديو مثل شركة الترفيه الأمريكية Netflix بأمريكا التي شهد موقع أفلامها إقبالا من المشاركين في الربع الأول من عام 2020 في أسيا و الباسفيك بنسبة 68% فيما يتوقع أن يرتفع هذا الرقم في الفترة المقبلة مع استمرار كورونا .

كما أن الفنانون يسلكون طرقاً جديدة لتسليتنا ونشر أجواء إيجابية. من بينهم الدي جي الألماني الشهير (باول فون دايك) أقام حفلة نظام ملهى ليلي من على مكتبه عن طريق بثها في الانترنت لجمهور واسع على مستوى العالم، حيث قال الآن يمكن أن يتواصل شخص من طوكيو مع شخص من ميلانو أثناء الاستمتاع بالموسيقى، هذا الواقع الجديد لإقامة حفلات وأحداث فنية اونلاين أصبح منتشراً بشكل كبير جدا حول العالم، ويتوقع أن ينمو بشكل كبير ويصبح البديل عن العديد من المسارح والملاهي التي تأثرت بتفشي الجائحة.

وكما هو معروف لدى الكل أن قطاع التجارة هو الأكثر تأثرا بجائحة كورونا التي تسبّبت في إغلاق المتاجر والأسواق عمومًا نتيجة للإجراءات الوقائية، ومنيت عدة شركات عالمية بخسائر كبيرة مثلا شركة إنديتكس للملابس انخفضت مبيعاتها بنسبة 44٪ لتصل إلى 3.3 مليار يورو بين 1 فبراير و 30 أبريل، وفي الربع الأول من السنة المالية الحالية سجلت خسارة صافية قدرها 409 مليون يورو خلال الربع. وبقي ما يقرب من ربع متاجرها مغلقا حتى 8 يونيو.

حصلت هذه الخسائر في قطاع التجارة في وقت نمت فيه المتاجر الالكترونية بشكل غير مسبوق؛ وزاد الطلب على السلع الرئيسية عبر متاجر التسوّق الرقمي والتجارة الإلكترونية، بما في ذلك منتجات المواد الغذائية فقط في الفترة ما بين 10 مارس وحتى 20 مارس، سجلت مبيعات هذه السلع الرئيسية ارتفاعا بمعدل 200%

كما ان الواقع الجديد جعل معظم الشركات تبتكر طرق وأدوات جديدة لعرض منتجاتها رقميا مثل «غوتشي»التي سمحت  للعملاء بتجربة أحذية رياضية من خلال الواقع الافتراضي، كذلك وفرت دار «لويس فيتون» تصاميم رقمية عبر تطبيق «فارفيتش», اي بواسطة الواقع الافتراضي والمعزز اصبح بامكانك ان تجرب الملابس وأنت في بيتك .

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

معاناة اللاجئين .. التحديات والحلول

بقلم: د. صالح بن حمد التويجري الأمين العام للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر تظل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.