الرئيسية / آراء ومقالات / تداعيات النزاعات المسلحة على الاستجابة الإنسانية

تداعيات النزاعات المسلحة على الاستجابة الإنسانية

مختار العوض

مدير إدارة الإعلام الإنساني والتوعية

لا يختلف اثنان على ما تخلّفه الأزمات والنزاعات والصرعات المسلحة من تداعيات وانعكاسات سلبية على مستوى الاستجابة الإنسانية لمساعدة الشعوب المتضررة سواء السكان المحليين أو غيرهم من اللاجئين أو النازحين أو المهاجرين من ضحايا تلك النزاعات المسلحة.

ألقت هذه الأزمات بظلال قاتمة على حياة عديد من اللاجئين والنازحين ومن الذين بقوا في مواطنهم، وتسبّبت ــ حسب تقرير حديث لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ــ في تشريد الملايين من الاشخاص ما بين لاجئ وطالب لجوء ونازح داخلياً، يقيمون في مخيمات ينتظرون الدعم لتأمين لقمة العيش لهم ولصغارهم، بعد أن استنفدوا مدخراتهم ومواردهم وأصبحوا يعانون من الفقر والحرمان من التعليم والخدمة الطبية، وبسبب الظروف المالية القاسية التي يعانون منها اضطر بعضهم لعرض أعضاءهم للبيع مجسّدين بذلك قصصاً دراماتيكية محزنة ومفزعة؛ منها ما نقلته قناة “سي بي اس” الأمريكية من نماذج لبعض الضحايا في هذا الشأن، أحدهم لا يتجاوز راتبه بضعة دولارات روى أنه عثر على منشور في الفيس بوك يعرض شراء أعضاء بشرية مقابل مبالغ مالية، وعلى الفور اتفق مع الوسيط على مبلغ 10 آلاف دولار مقابل إحدى كليتيه، قبل أن يتعرّض للاحتيال على يد الوسيط الذي دفع له نصف المبلغ المتفق عليه ثم اختفى، ومن تلك القصص الحزينة أم لثلاثة أطفال اضطرت لبيع شيء من أعضائها لأجل دفع إيجار المنزل لعام مضى، وتلقت 4 آلاف دولار مقابل نصف كبدها؛ وتداول نشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي قصة مؤثرة لعائلة نازحة تعاني من الفقر وتواجه أوضاعاً معيشية وضحية صعبة، ما دفع معيل الأسرة إلى عرض أحد أبنائه للبيع على الإنترنت مقابل مبلغ مادي بسبب شدة الفقر وجوع عائلته في حادثة صدمت كثير من النشطاء الذين أبدوا تضامنهم مع العائلة في محنتها ودعوا رب الأسرة إلى عدم التخلي عن ابنه، إضافة لعدد من القصص الإنسانية المحزنة التي تجسّد الواقع المأساوي لعدد من اللاجئين والنازحين والذين يتزايد  معدل نزوحهم ولجوئهم ، بعد أن اضطروا للهروب من بلدانهم بحثاً عن ملاذ آمن، فيتم استقبالهم في مخيمات غير مكتملة التجهيز، فيواجهون معاناة إنسانية متعددة الأبعاد، مما يضاعف الطلب على تعزيز الاستجابة الإنسانية لاحتياجاتهم الملحّة وفق المبادئ القانونية والأخلاقية>

كما أن هناك أضرار نفسية يتعرض لها عدد من الذين عاشوا فصول الأزمات الإنسانية وما ألحقته من دمار، فكان الأطفال الأكثر تضرراً منها؛ فانعكست آثارها القاتمة على نفسياتهم، بعد أن شاهدوا بأم أعينهم صور الرعب والعنف والقسوة والاصابات وبتر الأطراف ومنهم من رأى أحد والديه أو إخوانه يُعزب أو يُقتل أمامه، فأصبحوا في حالة يُرثى لها، ما جعلهم في حاجة إلى رعاية طويلة الأجل لاستعادة صحتهم النفسية.

بل وحتى العاملين في مجال العمل الإنساني رغم الحماية المفروضة لهم بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني لم يسلموا من تداعيات هذه الأزمات، وغالباً ما يواجهون الأخطار أثناء عملهم رغم ارتدائهم لشارات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

إن تداعيات النزاعات المسلحة لا تقتصر فقط على انتهاك حقوق الإنسان اللاجئ أو النازح، وإنما تتمدّد وتلحق أضراراً بليغة في نسيج السلم الاجتماعي على المدى البعيد، وتؤدي لتقويض الاستقرار في المجتمعات، وتوسيع رقعة الإرهاب، وانتهاك القانون الدولي الإنساني رغم أهميته القصوى في توفير الحماية المطلوبة للمدنيين والعاملين في المجال الإنساني من طواقم الإسعاف الطبي والإغاثي مقدمي المساعدات لضحايا النزاعات المسلحة، وغني عن القول بأن هناك قوانين وتشريعات تم إصدارها من قبل الأمم المتحدة وصادقت عليها الدول المتعاقدة لتحفظ حقوق الإنسان أيا كان سواء كان لاجئاَ أم نازحاً، كقانون اللاجئين، والقانون الدولي الإنساني كما هو في اتفاقيات جنيف 1949 والبروتوكولين الملحقين بها وغير ذلك من القوانين التي تحظر أعمال العنف والتمييز، إلا أن تعرضها للانتهاكات، يؤدي لحدوث آثار سلبية تطال الإنسان المدني غير المشارك في الأعمال العسكرية كالإصابات الجسدية والنفسية، وانتشار الأمراض المعدية وغيرها من التداعيات، وغالباً ما تكون المرأة والطفل هم الأكثر تضرراً ومعاناة، فإن الحل النهائي لتداعيات النزاعات المسلحة على الاستجابة الإنسانية تكمن في العمل على الحد من هذه النزاعات المسلحة وتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية على أرض الواقع ودون تعرضها لأي انتهاك، مع تفعيل الدبلوماسية الإنسانية  في هذا الشأن.

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

معاناة اللاجئين .. التحديات والحلول

بقلم: د. صالح بن حمد التويجري الأمين العام للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر تظل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.