الرئيسية / آراء ومقالات / التسامح الإنساني.. ومواجهة الأزمات

التسامح الإنساني.. ومواجهة الأزمات

د. صالح بن حمد التويجري 
الأمين العام للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر  

 السماحة أو  التسامح الإنساني هو أحد المبادئ الإنسانية الضرورية في حياة الشعوب وقد دعا إليه الدين الإسلامي الحنيف والأديان السماوية الأخرى، وكل الرسل والأنبياء اهتموا به كمفهوم أخلاقي واجتماعي، لا لشئ إلا لأهميته القصوى في تعزيز وحدة وتضامن وتماسك المجتمعات، ووأد أي خلافات ونزاعات بين أفراده؛ فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالصفح الجميل وهو الذي يصل في الإنسان إلى مرتبة الإحسان فيحسن إلى من أساء إليه بعد أن يعفو عنه؛ قال تعالى ” فاصفح الصفح الجميل” ” 7 سورة الحجر”؛ وفي الآية 11 من سورة الزخرف يأمر الله تعالى نبيه بالعفو والصلح ” فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون”؛

وقال تعالى   ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ النحل(125) وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : ” اتّقِ اللهَ حَيثُما كنتَ؛ وأتبعِ السّيِئةَ الحسنةَ تمحُها؛ وخالقِ النّاسَ بخُلقٍ حسنٍ””    

هذا المبدأ الإنساني يمثل أهمية كبيرة في نشر السلام في ظل تنامي النزاعات الدولية والحروب الأهلية والأزمات الإنسانية والانتشار الواسع للجماعات الإرهابية المتطرفة، ويظل هذا المبدأ من أهم الضرورات الإنسانية والأخلاقية؛ بعد أن أصبحت أخطار  العنف والتناحر والتشاجر ظاهرة تزيد من المعاناة الإنسانية وتهدّم العلاقات الاجتماعية في بعض المجتمعات؛ وهو في الوقت ذاته خارطة طريق لإرساء أرضية صلبة ننطلق منها لتفعيل الحراك الدبلوماسي والإنساني لنشر التفاهم والسلام من أجل وضع حد لاضطراب المجتمعات الإنسانية وتفكك نسيجها في عدد من الدول لتعيش في وئام وسلام ومحبة؛ وتتفرغ للعمل من أجل دعم جهود التنمية المستدامة من أجل خير شعوبها؛ ونشير هنا إلى أهمية أن يكون الوسيط أو الساعي لإنهاء النزاعات على درجة عالية من الحياد وعدم الانحياز والموضوعية حتى يتمكن من تعزيز التقارب بين المتنازعين؛ وهذا لا يتحقق في ظل غياب التسامح كونه أهم المبادئ المعزّزة للتضامن الإنساني من أجل مواجهة أي مشكلات أو تحديات إنسانية ومجتمعية؛ حيث إنه يمكن من خلاله إرساء بناء شامخ متين لمجتمع حضاري خال من أي مظاهر للعنف والطائفية؛ مجتمع آمن، تختفي فيه مشاعر الكره والحقد، ويكون في منأى عن كل ما يؤدي إلى توليد الضغينة بين أفراده؛ إذ أن التسامح يبني بين أفراد المجتمعات علاقات احترام متبادل عصيّة على أي محاولات تشويش واختراق وزعزعة فيما بينهم.

ولأن التسامح يعزّز قدرة الدول على التصدي للنزاعات الناتجة عن التطرف الذي تتبناه جماعات إرهابية تستخدم عباءة الدين لترويج أفكار مدمرة؛ ولأنه رسالة إنسانية سامية ونبيلة تعزّز فرص السلام؛ ولأنه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً؛ لا بد من تبنيه كمنهج فاعل للوصول إلى مجتمعات أكثر انسجاماً وتماسكاً للسمو بمدرسة الإنسانية والتعايش وقبول الآخر، ونبذ كافة أشكال العنف والتطرف؛ وتبني برامج تعزّز من أهمية هذه القيمة الإنسانية في دعم التعايش والاستقرار الاجتماعي وتطوير أواصر التعاون بين المجتمعات، وتشجع على الحوار بين أتباع الأديان والثقافات لتعزيز العيش المشترك والسلام الاجتماعي في دول العالم، ولا بد من نشر ثقافة الاعتذار والاعتراف بالخطأ، كونها أقصر طريق للتسامح، مع العمل على تعزيز دور الإعلام في غرس ثقافة التسامح والحوار، ونبذ أي محاولات لتأجيج الفتن والفرقة والخلاف بين المجتمعات؛ مع إدراج مناهج تعليمية تغرس قيم ومتطلبات التسامح في الفضاء الاجتماعي والإنساني، وتستجيب لاحتياجات النشء الحالي وأجيال المستقبل، وتجعل الشباب أكثر تفهماً لواقعهم الحالي، ومساعدتهم على تطوير قدراتهم وجعلهم في منأى عن الأفكار المتطرفة التي تعرض السلم الاجتماعي للانهيار، والعمل على تأهيل كوادر شابة تؤمن بقيم التسامح والانفتاح والحوار بين الثقافات؛ لتسعى إلى إيجاد حلول لنشر السلام والتعايش السلمي بين مختلف الشعوب والنخب العالمية، بهدف التصدي لنزاعات التطرف والصراعات المسلحة التي اتسعت رقعتها؛ وسن تشريعات لمأسسة قيم التسامح الثقافي والديني والاجتماعي؛ ومكافحة التمييز والكراهية؛ وتعزيز التفاهم المتبادل بين الثقافات والشعوب؛ والعمل على تحويل التسامح إلى ممارسة عملية لحل الخلافات وتسوية النزاعات وإيجاد حلول للأزمات.

ما أحوجنا للتسامح في نجاح جهود أي حراك إنساني دبلوماسي لمواجهة أي نزاع؛ ونبذ الخلافات؛ وصناعة حوار حضاري مع الآخر وتجاوز أي معوقات للتعايش معه؛ والحد من أي خطاب يحض على العنف والكراهية المدمرة للروابط الإنسانية؛ وما أحوجنا كذلك التأكيد على أن تنوع المجتمعات الإنسانية دينياً أو عرقياً أو ثقافياً ليس وسيلة مبررة للصراعات بل هو مطلوب لتستفيد منه مختلف النخب في إرساء شراكة حضارية إيجابية يعود خيرها على جميع دول العالم لتعيش في أمن وأمان وسلام؛ وتوجيه مقدراتها لخدمة البشرية والتصدي لأي أوبئة أو كوارث تهددها؛ ولذلك كان من الطبيعي أن تخصص دول العالم أياماً دولية لنشر ثقافة التسامح وتعزيز التضامن الإنساني من أجل نشر التوعية بأهمية السلام في دعم حياة الشعوب ومواجهة أي تحديات إنسانية؛ وما احتفال العالم باليوم العالمي التسامح في 16 نوفمبر من كل عام إلا لتحفيز الأمم والشعوب على تعزيز الأواصر الاجتماعية والأمن والاستقرار في المجتمعات، وفتح آفاق لحياة مجتمعية جديدة مبنية على المحبة والسعادة والوئام؛ وترسيخ الاحترام والتآخي؛ واحترام ثقافات ومعتقدات الآخرين ونبذ كل مظاهر التعصب والكراهية والتمييز.

تنويه : المقالات المنشورة باسم أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المنظمة

عن التحرير

شاهد أيضاً

نزع السلاح والتنمية المستدامة

أ. رهاف سعد السهلي، المشرف على مركز المعلومات والدراسات والتوثيق. المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.